يعتبر النوبيون من المجموعات القبلية المميزة في السودان بعاداتهم وتقاليدهم الضاربة بجذورها عميقا في التاريخ . وليست العادات فقط هي التي تميز نوبيو اليوم عن غيرهم من القبائل السودانية ، وإنما هنالك أيضا اللغة والخصائص الجسدية والنفسية التي لا يشاركهم فيها غيرهم من أبناء وطنهم الكبير ( السودان ) .
هذا التفرد في الخصائص والثراء في الموروث من العادات والتقاليد جاء نتاج تفاعل طويل مع


التيارات الحضارية المختلفة التي احتكت بها الحضارة النوبية في مسيرتها الطويلة عبر القرون .
ولعل أهم مظاهر تميز المجتمع النوبي هي جمعه ما بين الزنوجة التي ينتمي إليها بحسب الأصل ، والعروبة التي تأثر بها بفعل التواصل والاختلاط . لذا يصعب تماما تصنيف النوبيين تحت أي من هذين العرقين اللذان يشكلان جذور معظم القبائل السودانية الحالية . ومن هنا يمكن تلخيص أهم ملامح المجتمع النوبي في الآتي :
1- الأصالة والحرص على الهوية والتمسك الشديد بالجذور ، وخير دليل على ذلك المجتمعات النوبية القائمة حاليا في المهاجر (سواء داخل السودان أو خارجه) حيث ظلت متمسكة بتقاليدها وعاداتها بالرغم من أنها اقتلعت من جذورها منذ عهد بعيد ونقلت لبيئات تختلف تماما عن بيئتها الأصلية .
ويتهم النوبيين بعزوفهم عن الدخول في علاقات مصاهرة مع غير النوبيين ، ويرون في هذا نوعا من العنصرية . وبالرغم من أن هذا الاتهام قد يكون صحيحا إلى حد ما ، إلا انه لا يرجع إلى عنصرية النوبي أو رغبته في الانغلاق، وإنما لخلفيات تاريخية تمتد جذورها لعصور الممالك النوبية القديمة حيث كان الملك والثروة ينتقلان عن طريق الفرع الأنثوي من العائلة ( ابن البنت أو ابن الأخت ) ، لذا كان النوبي القديم يحرص كثيرا على اختيار من سيتزوج بابنته أو أخته باعتبار انه سيكون وريثه . ويبدو أن هذه الصفة قد ظلت ملازمة لنوبيين حتى الآن وان كانت قد بدأت في التلاشي مؤخرا . جدير بالذكر هنا أن هذه العادة مرتبطة بزواج الإناث النوبيات فقط دون الرجال ، حيث لا توجد أية قيود على زواج الذكور .
وعموما ، أيا كانت الانتقادات الموجهة للنوبيين حول هذا الخصوص فإننا نعتقد بان شدة الانتماء لأصل معين والتمسك الشديد بأعرافه وتقاليده لا تعني مطلقا احتقار ما عداه من الأصول أو الثقافات الأخرى .
2- الحلم والوداعة وإيثار السلام على الحرب ، حيث يعرف النوبي بكرهه الشديد للعنف وحبه للمرح والابتهاج في كل الظروف . ولعل محاضر الشرطة خير دليل على ذلك إذ لم تسجل منذ إنشائها إلا أربع أو خمس جرائم قتل على امتداد المنطقة النوبية بأكملها . وعموما لا يعرف النوبيون العنف والشجار ويميلون دائما لحل مشاكلهم بالطرق السلمية وعبر الأجاويد والمجالس المدنية غالبا . هذه الصفة لا تتعارض بالتأكيد مع متطلبات الشجاعة والإقدام ، خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار مواقف النوبيين في ظروف كثيرة كانت تتطلب الجرأة والبسالة.... والتاريخ خير شاهد على ذلك .
عموما ، يبدو أن النوبيين قد اكتسبوا هذه الصفة منذ زمن طويل عندما ودعوا مبكرا حياة البداوة والترحال واستقروا في مجتمعات مدنية متحضرة تلفها الطمأنينة والأمان .
3- الترابط الشديد وحبهم لبعضهم البعض ، حيث أن من المعروف عن النوبيين ارتباطهم القوي ببعضهم البعض أينما حلوا ، وعلى اختلاف طبقاتهم أو مراكزهم الاجتماعية . ولعل هذا ما يدعو البعض إلى وصف النوبيين أحيانا بالعنصرية ، وهو وصف غير صحيح على الإطلاق، إذ يدرك كل من خالط النوبيين وخبرهم أريحيتهم المشهودة وحبهم للاختلاط مع الغير وسرعتهم في تكوين علاقات اجتماعية متعددة في الأوساط التي يعيشون فيها .