امراة خالدة نفيسة بنت الحسين

--------------------------------------------------------------------------------

نفيسة بنت الحسين

ولدت نفيسة بنت الحسين بن زيد بن الحسن بن علي بن ابي طالب عام 145 ه في مكة المكرمة وفي البلد الحرام عاشت نفيسة مع احفاد رسول الله، فتأثرت بهم، وسارت على منهجهم فحفظت القرآن الكريم، واقبلت على فهم آياته وكلماته كما حفظت كثيرا من احاديث جدها.
ولما بلغت نفيسة مبلغ الشابات، تقدم لخطبتها ابن عمها اسحق المؤتمن بن الامام جعفر الصادق، فرضيته زوجا لها.
وفي المدينة المنورة عاشت نفيسة آمنة مطمئنة وفتحت بيتها لطلاب العلم تروي لهم احاديث رسول الله وتفتيهم في امور دينهم ودنياهم، حتى اطلقوا عليها اسم 'نفيسة العلم والمعرفة'.
وفي عام مائة وثلاثة وتسعين من الهجرة وصلت السيدة نفيسة الى مصر بصحبة والدها وزوجها واستقرت في الفسطاط بدار ابن الجصاص وهو من اعيان مصر، وقد استقبلت استقبالا حافلا، وسر اهل البلاد بقدوم حفيدة رسول الله.
واستمرت نفيسة في حياة الزهد والعبادة، تقوم الليل وتصوم النهار حتى طلب منها زوجها ذات يوم ان ترفق بنفسها فقالت: من استقام مع الله كان الكون بيده وفي طاعته وكانت تعرف انها لكي تفوز بجنة الخلد فلا بد لها ان تجتهد في العبادة وان تبتعد عن ملذات الدنيا، تقول: لا مناص من الشوك في طريق السعادة فمن تخطاه وصل.
وداومت السيدة نفيسة على زيارة بيت الله الحرام وقيل: انها أدت شعائر الحج ثلاثين مرة.
وكانت عظيمة القدر والمكانة عند اهل مصر، فكانوا يذهبون اليها، يلتمسون عندها العلم والمعرفة، بل كان يقصد دارها كبار العلماء فقد تردد عليها الامام الشافعي فكانت تستقبله من وراء حجاب، وتناقشه في الفقه واصول العبادة واحاديث الرسول.
وحين مرض الامام الشافعي ارسل اليها يطلب الدعاء له بالشفاء، لكنه مات بعد ايام بعد ان اوصى ان تصلي عليه السيدة نفيسة، فصلت عليه بعد ان صلى عليه الرجال، وحزنت من اجله، وكانت رضي الله عنها تجير المظلوم، ولا تستريح حتى ترفع الظلم عنه، فقد استجار بها رجل ثري من ظلم بعض اولي الامر، فساعدته في رفع الظلم عنه ودعت له وعاد مكرما معززا فأهداها مائة الف درهم شكرا لها واعترافا بفضلها فوزعتها على الفقراء والمساكين وهي لا تملك ما يكفيها من طعام يومها.
وبعد سبع سنوات من الاقامة في مصر مرضت السيدة نفيسة فصبرت ورضيت وكانت تقول: الصبر يلازم المؤمن بقدر ما في قلبه من ايمان وحسب الصابر ان الله معه، وعلى المؤمن ان يستبشر بالمشاق التي تعترضه، فانها سبيل لرفع درجته عند الله، وقد جعل الاجر على قدر المشقة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم وتقول ايضا: لقد ذكر الصبر في القرآن الكريم مائة وثلاث مرات، وذلك دليل على قيمة الصبر وعلو شأنه وحسن عاقبته.
ولما احست السيدة نفيسة ان النهاية قد اقتربت ارسلت الى زوجها اسحاق المؤتمن تطلب منه الحضور وكان بعيدا عنها.
وفي صحن دارها حفرت قبرها بيدها وكانت تنزل فيه وتصلي كثيرا، حتى انها قرأت فيه المصحف مائة وتسعين مرة وهي تبكي بكاء شديدا.
وكانت السيدة نفيسة صائمة كعادتها، فألحوا عليها ان تفطر رفقا بها، وهي في لحظتها الاخيرة، لكنها صممت على الصوم على الرغم من انها كانت على وشك لقاء الله وقالت: واعجبا منذ ثلاثين سنة اسأل الله تعالى ان ألقاه وانا صائمة، أأفطر الآن؟! هذا لا يكون، ثم راحت تقرأ بخشوع من سورة الانعام حتى وصلت الى قوله 'لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون' ففارقت الحياة وفاضت روحها الى الله فبكاها اهل مصر، وحزنوا لموتها حزنا شديدا، وحينما حضر زوجها اراد ان ينقل جثمانها الى المدينة، لكن الناس منعوه، ودفنت في مصر.