الجامع الأزهر .. هذا المسجد وذلك الصرح الذي تشع أنواره من القاهرة , لتصل إلى أبعد آماد المعمورة , ناشرة العلم والدين والعقيدة السليمة الصافية , وله أثر كبير في حياة المسلمين على مختلف الأصعدة ومن كافة النواحي.
ففي مجال الثقافة , ما كان شخص يستطيع ادعاءها إلا إذا كان أحد خريجي هذا الصرح العملاق , وتولى أبناؤه وخريجوه مهمة التوعية والتثقيف للشعوب العربية والإسلامية على مدى قرون متطاولة من الزمان.
وفي مجال الزعامة السياسية , محال أن يتقدم زعيم على غيره إلا إذا حصل على تأييد شيوخ الأزهر وطلابه .
وفي مجال الزعامة الروحية , فحدث بكل فخر , فقد كان الأزهر والأزهريون ملاذ النفوس المتعطشة إلى مذاق الإيمان , تذهب إلى المسجد وشيوخه وطلابه لتنهل من بين أيديهم مختلف الأغذية الروحية التي تقربهم إلى علام الغيوب.
انطلاقا من كل هذا , أضحى الأزهر محط الأنظار, ومهوى الأفئدة .. تترقب الجماهير كلمات أهله في مختلف المواقف والقضايا , حتى تطمئن إلى الوجهة السديدة التي تسير عليها الأمة.
ومنبع ذلك , هو ما ذكرناه عن تعدد أنشطة الأزهر وتغلغل شيوخه وطلابه في هموم الناس وتطوعهم في التعبير عن أحوالهم ومشاركتهم في معاناتهم .. وشيء آخر جعل الجماهير تسلم قيادها للأزهريين دون أن تقلق أو ترتاب في شيء.
هذا الشيء هو الثقة في الأزهريين , والتأكد من سلامة ضمائرهم , والجزم بانهم لا يبيعون دينهم بعرض من الدنيا.
ولا أفتأ أذكر موقف شيخ الإسلام أحمد الدردير فقيه المالكية في زمانه , كلما رأيت هذه الوجوه الكالحة التي تخفي قبحها تحت العمائم ..!!
فالوالي الجديد عندما عينه السلطان العثماني أراد أن يكون الأزهر هو أول مكان يزوره حتى يستميل المشايخ , لعلمه بقدرتهم على تحريك ثورة الجماهير في أي وقت شاءوا وعند حدوث أول مظلمة .. فلما دخل ورأى الدردير جالسا مادًّا قدميه في المسجد غضب لأنه لم يقم لاستقباله والترحيب به, وقام أحد حاشيته بتهدئة خاطره بأن قال له إنه مسكين ضعيف العقل ولا يفهم إلا في كتبه يا مولانا الوالي .. فأرسل إليه الوالي صرة نقود مع أحد الأرقاء , فرفض الدردير قبولها وقال للرقيق "قل لسيدك من مدّ رجليه ليس له أن يمد يديه" ..!!
لكن شيخ الأزهر يبدو انه لا يريد أن يعيش في عزة وكرامة , وأن يرفع هامته وهامة الأزهر في وجه الظلم , حتى أصبح الانتماء إلى الأزهر في زمن مشيخته سُبّةً لكل أزهري , وأصبح الأزهريون مثار سخط العام والخاص من الناس , الذين لا يعرفون أن الأزهر شيء وأن شيخه شيء آخر.
الفاضل المبجل شيخ الأزهر - تعيينا وقهرا ضد إرادة الأزهريين الشرفاء – يتطوع بإسداء خدمات سياسية من الدرجة الأولى للنظام الحاكم في مصر.
وليس هذا بمستغرب على الرجل , فقد اعتدنا منه ذلك .. لكن الكيل قد طفح , والنفوس ما عادت تحتمل ..
الطنطاوي كلما سأله الناس عن موقفه من قضية سياسية , يتذرع بأنه رجل دين وليس رجل سياسة - وكأن رجل الدين لابد أن يكون "جاهلا" في السياسة التي يفهمها البسطاء من شعب مصر- , لكنه إذا وجد الفتوى الدينية يمكن تسخيرها لخدمة النظام الذي عينه في منصبه , فإنه لا يتوانى عن اتخاذ مواقف سياسية مخجلة , بل في قمة الإحراج .. ووالله قد فرّط في قضايا دينية في المقام الأول بسبب موقفه السياسي ..!!
المبجل الفاضل يطالب النظام (المتحفز أصلا) بجلد الصحفيين الذين روجوا شائعة مرض الرئيس المصري .. مع أنه مريض فعلا وليس مرضه شائعة تروّج , وليس الرئيس إلها لا يمرض .. وهذا ليس أوان مناقشة التقرير الطبي لصاحب العظمة.
الشيخ تذكر أخيرا أن هناك حدودا شرعية أقرها الإسلام للتطبيق على المخالفين والمجرمين , تحمي المجتمع من الفساد والمفسدين.
والشيخ يعلم تماما أن حد القذف لا يطبق إلا على من تناول أعراض الناس بلسانه , وليس على صحفي يكتب بقلمه عن شيء قد يصح وقد لا يصح , وهو في حالتنا صحيح وليس فيه خطأ , وكثيرا ما سافر المُعَظّم موضوع الشائعة للعلاج في الخارج.
استحضر الشيخ ذاكرته الآن وفي هذه الأيام ليذكّر القادة المؤمنين بتفعيل حدود الله على الخونة الذين لا يألون جهدا في التنغيص على مزاج الرئيس !!
ونسي الشيخ - بل تناسى - أن هناك مواخير للدعارة في أكبر شوارع العاصمة , ولا تبعد عن مكتب فضيلته أكثر من نصف ساعة زمنية أذا أراد المرور أمامها بموكبه .. ولم نسمع له صوتا يطالب بجلدهن أو رجمهن؟
لم نسمع عن فضيلة الشيخ وهو يرى أمام عينه –ولا بد ان يرى – هذه الإعلانات الخليعة على الحوائط والجسور في طريقه لنساء لا يرتدين شيئا , وقد تورطت إحداهن في تصوير لقاء جنسي كامل مع عشيقها . لم نسمع صوته في المطالبة برجمها فضلا عن عدم إفساح المجال لها لتظهر كنجمة على الشاشات .. !!
لم نسمع أبدا صوت فضيلته في انتهاك حقوق الإنسان داخل مقرات التعذيب المساة أقسام الشرطة , ولا في انتهاك الحقوق والكرامة والعرض داخل ما يسمى بمقار أمن الدولة ..!!
ألم تسمع يا سيدي الشيخ عن ضابط يصور أحد المقبوض عليهم في وضع خليع وهو يمارس هتك عرضه؟ ..لماذا لم تطالب له بأقصى العقوبة؟
لماذا يا سيدي المغوار , لم تطالب بإعدام أو – على الأقل – جلد السيد عضو مجلس الشعب عن الحزب الوطني الذي قام باستيراد دماء يعلم أنها ملوثة , مع أنك صدعت رؤوسنا عن فضل الإدلاء بالرأي في الانتخابات؟
لماذا يا صاحب الفضيلة تَصمتُ وَيَنْخَرِسُ لسانك ولا تنبس ببنت شفة وأنت ترى احتكار السلع الضرورية في حياة الناس , ولا تتذكر الحكم الشرعي للاحتكار , مع أن عيني كل مصري - وغير مصري - لا تخطئ رؤية أحد المقربين من ولي العهد يحتكر الحديد وتصنيعه في مصر ويصرّ على ذلك .؟!!
سيدي الطنطاوي .. كنا قبل ذلك نتعجب من سكوتك الذي يطول عن قضايا مصيرية , لكننا الآن نحمد الله على سكوتك فيما كنت تسكت فيه , لأننا علمنا نتيجة كلامك من المواقف المتكررة التي تتكلم فيها , وعرفنا أن سكوتك خير من كلامك.
واسمح لي بان أسردها لك هذه المواقف التي أتذكرها - والحمد لله أني لا أتذكر غيرها - , التي أظنك تتذكرها ولا تنساها , وأتمنى أن تُقرأ عليك أمام الحشود يوم القيامة , وتنال بها جزاءك عند الله , إن كان خيرا فخير وإن كان شرا فشر :
1- موقفك المخجل في موافقة فرنسا على سن قانون بحظر ارتداء الحجاب على المسلمات.
2- موقفك المخزي من العلميات الاستشهادية التي يقوم بها أبطال النضال في فلسطين , وعدم تراجعك عن اعتبارها انتحارا يفضي إلى النار , لولا تتالي فتاوى العلماء الكبار بالأزهر أنها أرقى درجات الشهادة في سبيل الله .
3- موقفك البالغ السوء من الرسوم الأوروبية التي صورت حبيبنا r في صور قميئة.
4- جريك المهين من مكتبك خلف أحد الصحفيين وأنت تطارده , رافعا نعلك وخالعا عمامتك وجبتك وتكيل له السباب.
5- صفعك لأحد المصلين في الأزهر بعد صلاة الجمعة , بطريقة لا تحق لك.
6- إلغاؤك للفقه المذهبي من الأزهر , فتبوء بإثم إسراع خطوات تفريغ الأزهر من خصوصيته العلمية والفقهية, وتخريج أجيال لا تستطيع التعامل مع كتب التراث , مع أنهم يفترض لهم أن يكونوا أهل التخصص في تلك العلوم.
7- إلغاؤك لكتب العقيدة القديمة التي تقرر المباحث وتقيم عليها الأدلة بالبراهين المستفيضة , وتقرير كتبك التي لا تسمن ولا تغني من جوع على الطلاب الأزهريين.
ومن المؤكد أن هناك غير ذلك مما لا أعلمه , والذي أسأل الله تعالى أن يطوقك به يوم القيامة ويحاسبك على كل مثقال ذرة منه , وأن يجزيك عنه وعن الأزهر وعن الأمة ما تستحق من الجزاء.
بالله عليك يا شيخ .. اسكت ولا تتكلم ,فاللسان حصان .. وأنت يا مولانا لا تجيد ركوب الخيل , فحصانك أعرج , وطريقه أعوج .. فلا تجعله يوبقك , ويدفعك إلى ما يهلكك.
اللهم قد بلغت .. اللهم اشهد