تحرك العالم وتسابق نحو إنقاذ آثار النوبة المصرية قبيل بناء السد العالي فى اسوان .فقد كان الحدث تاريخيا

وجاء على مستوي اهمية تلك الاثار بالنسبة لمستقبل الحضارة الإنسانية .وفى السنوات التى أعقبت عمليات الإنقاذ صدرت مئات الدراسات والمقالات على تلك الآثار، وتوافد لمشاهتها ملايين البشر وكأن اكتشافها قد

حدث متزامنا مع بناء السد العظيم الذي سارعت مياهه لابتلاع الأرض التى تعلق ترابها قبل آلاف السنين

بأجساد بناة تلك الآثار وأمتزج بعرقهم ودمائهم وارواحهم. وضاع في جوف الماء ايضا بعض موطن قوم

خلقوا من طينة تلك الأرض ومشوا عليها عبر الدهور، جيلا وراء جيل. عاشوا تلك الارض وملآوا فجاجها بكل ما توارثوا من ثقافة وأحلام ووقائع سعيدة وحزينة. جري حب تلك الارض فى عروقهم بمحاذاة جريان النيل ومن فرط حبهم لها ثبتوها بغرس نخيل وحموها من طغيان لواعج النيل بمتاريس من ترابها. ولكن هذه

المرة غرقت كلها دون رجعة وبكل ما فيها من ذكريات واحلام ونخيل وسواقي ومنازل وملاعب وقبور تركها أهلها وتقافزوا الى اليابس، الى اماكن لاتعرفهم ولا يعرفونها اماكن لم تدفن فيها اظافرهم وحبال سراتهم...اماكن لا تعرف التاريخ ولا تهتز لل"اراجيد" ولا لتراجيديا الوداع الاخير.



تم ترحيل النوبيين والعالم منشغل بإنقاذ الآثار ، ولا يتذكر العالم حتى الان من الأحداث العظام في أرض

النوبة فى بداية الستينيات غير إنقاذ الآثار. أما النوبيون وثقافتهم وأنماطهم عيشتهم في تلك الحقبة فلا يعرف عنها إلا قلة عايشت تلك الأحداث او قادتها الصدف لمصادر علمية نادرة توافرت عن تلك الفترة. ولعل اهم هذه المصادر هو المسح الميداني الذي انجزه بيتر قايسر استاذ علم الاجتماع فى جامعة كاليفورنيا الحكومية فى هيوارج وقد شارك الدكتور قايسر فى مشروع المسح الأثنى فى النوبة الذي أجرى تحت رعاية مركز البحوث الاجتماعية التابع للجامعة الأمريكية فى القاهرة، وبتمويل من مؤسسة فورد. وقد قام قايسر ببحوث ميدانية فى مصر واليابان وتركيا.

يقول البروفسير مارك كندي عن دراسة قايسر انها" نظامية واكاديمية عن نزوح النوبيين الى القاهرة قبل وبعد بناء السد العالى فى اسوان. يحلل الكتاب تاثيرات هذا النزوح على التقاليد والهوية النوبية، وعلاقات الأسرة بالمجمع" . ولا شك ان هذا المسح علمي لحد كبير، وهو وثيقة قيمة لابد من وجودها باستمرار فى المكتبة النوبية، ولدى كل مهتم بظاهرة تهجير السكان وتاثيراته على تقاليد وهوية من تجبرهم الظروف لترك اوطانهم الأ صلية . فقد تم تهجير النوبيين من اجل تحقيق مصالح قومية عليا ألا وهى بناء السد العالي وتحقيق التنمية الزراعية والصناعية والتجارة فى مصر . وتحمل النوبيون اعباء التهجير النفسية والاجتماعية والاقتصادية بروح متجاوبة مع الارادة القومية. ولا أدل على كونهم ضحوا عن قناعة حضارية ووعى ثقافي انتقائي أكثر من انهم تركوا الارض وخرجوا منها تلبية لنداء الوطن العام حاملين علي اكتافهم ماقل وزنه وعظمت قيمته ألا وهو هويتهم الجمعية. فدراسة قايسر تثبت علميا حقيقة ان النوبي وهويته النوبية يظلان متلاحمين حتى تحت ظروف زمان ومكان تشجع على الذوبان ونسيان الماضى والمستقبل من اجل الان. فبعكس كثير من الأثنيات المهاجرة او المهجرة فى العالم يحافظ النوبيون على هويتهم الجماعية بشتى الوسائل الذهنية والمادية. ورغم ذالك يلتئمون بمرونة وذكاء حضارى مع معطيات البيئة المضيفة تفاديا لعواقب العذلة والانكفاء . هذه هى النوبة وهؤلاء هم النوبيون كما عرفتهم قبل إطلاعي علي هذه الدراسة القيمة . فئة اثنية تستمد حياتها من هويتها الجمعية ، ومن ايمانها بالتكافل الاجتماعي والمؤازرة المتبادلة . وما اعتزاري بهذه الدراسة الرائدة إلا لكونها وثيقة علمية تؤيد قناعات عندي مسبقة باستحالة فطام النوبي عن تراثه، عن امسه وغده وعن إنتماءاته العرقية المتنوعة. فهو فرد جامع لكل مايمت للإنسانية

بصلة. فقط تمنيت لو كان هناك توثيق اكثر لجوانب الحياة والثقافة النوبية فى القرى العديدة التى غمرت بالمياه .

كتاب : النوبى المصرى

دراسة فى التكافل الاجتماعى

بيتر قايسر