تكشف دراسة الاثار والتطور الجغرافي لوادي النيل عن دلائل كثيرة لوجود نشاط بشري في الوادي خلال بداية العصر الحجري القديم فأدوات الرقائق الحجرية ومسارح العمل ومؤاشرات

اخري كلها تدل علي وجود علاقة قديمة بين الانسان والبيئة الفيزيقية التي نسميها نحن اليوم النوبة

وهناك نقوش علي الصخور في طول مساحات منقطعة علي النيل توضح مناظر صيد في الحياة المبكرة في قطر وتشمل الفيلة والغزلان والنعامة والزرافة والتماسيح فضلا عن الانسان كما تشير

مكتشفات حديثة قرب البداري الحالية واومبوس (قرب نقاده)الي انه كانت هناك حقبة حضارية

متقدمة في كل النوبة قبيل قيام الاسرة الفرعونية الاولي وهي ناتجة عن استقرار ما يسمي بالمجموعة (أ) في المنطقة واحتلالها للنوبة من ثلاثةألاف واربعمائةالي ألفين وسبعمائة قبل الميلاد وتاتي هذه المعلومات في اغلبهامن مدونات تتعلق بالنشاط السياسي وبالتجارة والحروب بين اهل النوبة واهالي مصر العليا والسفلي منذ الدولة القديمة مرورا باسر فرعونية لاحقة .

فيما قبل سنة ثلاثة ألآف ومئاتين ق.م لم تكن النوبة ومصر موطئاً لسكان متجانسين فحسب بل اشترك القطران في حضارة متوحدة ولكن بحلول النصف الثاني من الألفية الثالثة حدث تمايز بين القطرين في العادات والتقاليد والاتجاهات فبعكس مصر حافظت النوبة علي مستوي حضارتها البدائية وعلي مظاهر وفنيات الماضي البعيد امتدت النوبة من ادفو في مصر السفلي الي داخل السودان في الفترة مابين عام ثلاثة آلاف ق.م وحوالي سنة ألفين ق.م وخلال فترات مبكرة من حكم الاسر في الدولة المصرية القديمة كانت مصر تقوم بحملات عسكرية في النوبة وتخضعها سياسيا.

وقد سطت مصر سيادتها علي الاراضي النوبية حتي الشلال الثالث جنوبا ومنذ بيبي الاول (ألاسرة السادسة) بدات النوبة في إرسال كتائب لتحارب في الحملات العسكرية المصرية ضد القبائل البدوية في شرق الدلتا وجزء لخدمتهم تحت التاج المصري حظي النوبيون باراضي في مصر. وقد

امتدت مواطن النوبين في هذه الارضي شمالا حتي أسيوط وفي عهد إخناتون في الاسرة الثامنة عشرة تبوأ امير من كوش منصبا عالياً في مصر وبمنتصف القرن الثامن عشر قبل الميلاد استطاعت النوبة ان تنشئ عاصمة حكمها في( نباتا) بعيدا داخل السودان .



كانت (نباتا) الواقعة في الطريق التجاري بين مصر والسودان بمثابة محطة مواجهة مصرية لمدة

سبعمائة سنة. وكان اغلب سكانها ينحدرون من أصول مصرية. وعندما ينقطع ارتباطهم بمصر كانوا ينسبون انفسهم الي القبائل التي استوطنت صحاري ليبيا والجزيرة العربية وادي تغلغل هذه

القبائل وفئات اخرى من أفريقيا السوداء في النوبة الى خفض التجانس الأثنى في السودان بحيث

اصبح سكانه اشبه بسكان افريقيا الوسطي. فقد تغيرت اللغة ومظاهر الفنون كما تاثر الفكر والسلوك بهذا التحول خلف بينخي والده كشتا كملك على نباتا. وبحلول عام سبعمائة واحد واربعون قبل الميلاد كان قد اعد جيشا لغزو مصر.وتمكن من إخضاع معظم مصر العليا عام سبعمائة اثنين وعشرون ق.م واقام في كل مدينة مهمة طابية عسكرية. وفي النهاية استطاع هذا الفرعون النوبي التغلب علي كل الملوك الليبين الذين كانوا يهيمنون على الدلتا وأصبح سيد مصر كلها. ويديرها لوقت وجيز من مصر العليا. اعتلي العرش بعد بينخي أخوه شباكا وبعده شهدت مصر سلسلة طويلة من الملوك النوبيين سميت لاحقا بالاسرة الخامسة والعشرين أو بالأسرة الاثيوبية الحاكمة.



دخل تهارقا ابن بينخي فى حروب مع الاشوريين الى سنة ستمائة وسبعون ق.م حيث أجبر على التراجع من الدلتا. وفيما عدا غارة واحدة على مصر شنها ملك نوبي من نباتا أسمه "تونوتا من" فإن النوبة لم تعد قادرة أبدا على الإغارة على مصر وغزوها. اما "تانوتا من" فقد دحره الآشوريون واجبروه على التراجع الى طيبة حيث امضى بقية عمره.



ثمة حقائق قليلة متوفرة فيما يتعلق بالخصائص الاجتماعية والديموغرافية للحياة النوبية منذ بداية تاريخها الى القرن التاسع عشر. وغالبية المعلومات تاتي من الحفريات فى اماكن دفن الموتى وهى غالبا ماتتعلق بتقديرات اعداد السكان .

تشير الدلائل الى أن سكان النوبة قبل قيام الأسر كان قليلا.وكما هو متوقع فى مجتمع يقوم على الصيد والجمع ونظام زراعي بسيط لابد من مساحات واسعة من الارض لحياة عدد قليل من السكان.فبحسب كثافة السكان التي لم تكن أكثر من شخص واحد فى كل اثنين كيلومتر مربع فإن منطقة النوبة السفلى فى العصر الحجري لم تكن لتتسع لأكثر من ثلاثة آلاف شخص. وقد قدر تريجر عدد سكان النوبة السفلى فى بداية حقبة المجموعة (أ)بانه ألفين ومائة شخص.فالتقدم الحضاري النوبي خلال هذه الحقبة كان بمثابة عامل جذب لفئات من الجنوب وليبيا.ولذلك أخذ عدد

السكان في الازدياد.وخلال القرون الأثنى عشرة اللاحقة تراوحت أعداد السكان مابين ألفين وستمائة

نسمة فى فترات الاسرتين الرابعة والخامسة وسبعةعشرة ألف وخمسمائة نسمة فى فترة الاسرة الثامنة عشرة.ويلاحظ أنه عام ألف قبل الميلاد اصبحت النوبة السفلى شبهة خالية مرة أخرى وفى

حوالي سنة ثلاثمائة قبل الميلاد أتاح ظهور الساقية واستخدامها زراعة مساحات كبيرة من الارض.

وكثرت لذالك الهجرات الى النوبة من السودان وأرتفع عدد السكان النوبة السفلى ليصل ستة الآف شخص. وفى قرون لاحقة شهدت النوبة أحداثا كبيرة ادت الى تغيرات فى أعداد السكان.