من الشلال الثالث إلي الشلال الأول
ذكرنا أن هذه المنطقة احتفظت بذاتيتها وهويتها النوبية فكانت تحت سلطة زعمائها المحليين من قبائل العرب المتنوبة والنوبيين وكانت مستقلة عن سلطنة الفونج السودانية جنوبا وعن مصر العثمانية شمالا.
وفي سنة 1520م أرسل السلطان العثماني (سليم الأول) سرية من عساكره لغزو هذه المنطقة فتصدت لها قبائل الكنوز والجوابرة والغربية والنوبيين، ولكن برغم مقاومتهم وصمودهم لهذا الغزو الاستعماري لم يتمكنوا من ردهم وانتصرت عليهم القوة الظالمة وتركوا بعد انتصارهم حاميات من الجند العثماني ( الغز) في أبريم والدر وجزيرة ساي بعد أن بنيت لهم قلاع لتدعيم نفوذ الدولة هناك، وعرف رجال تلك الحاميات ( بالكشاف) وبذلك ملك العثمانيون النوبة من الشلال الأول جنوبي أسوان إلي الشلال الثالث وأصبحت النوبة ولاية من ولايات مصر العثمانية حتى سنة 1660م قد فقد النوبيون بسبب هذا الاحتلال قيادة الأمور في وطنهم.
فقد كان قوسنى حسن قومندانا للعساكر وحاكما علي النوبة وكان يرسل الجزية التي فرضت علي النوبة إلي حاكم مصر وقد ضرب علي كل ساقية (24) مدا م من الحبوب و(12) ثوبا من نسيج النوبة المسمي قو نجي.
ومات قوسني حسن فتولت ذريته حكم النوبة من بعده وجعلوا عاصمتهم الدر بقرية الديوان فعرفوا بالكشاف الغز وقد اختلط الكشاف ببني الكنز وتزوجوا من بناتهم فتقوى بسبب هذه المصاهرة بنو الكنز وعاد لهم بعد وفاة قوسنى حسن نفوذهم القديم في البلاد وباتوا يتمتعون في منطقتهم مابين أسوان وكر سكوا باستقلال شبه تام ولم يكن للحكومة المركزية أي سلطان عليهم.
كما اختلط الكشاف بالنوبيين وتكلموا بلغتهم وتعودوا عاداتهم وتقاليدهم وتزوجوا منهم هم وحكامهم وأصبحوا هم والنوبة كالشيء الواحد.
وهم خير من قبائل عرب جهينة وفروعها فعندما دانت لهذه القبائل منطقة المقرّة بالولاء والخضوع أجلوا مناطق واسعة من أهلها والذين بقو فيها فعاملوا معاملة الموالي والعبيد.
وحاول الفونج ( السودان) بعد وفاة قوسنى حسن أن يضموا شمال النوبة إلي سلطنتهم وأرسلوا من أجل ذلك جيشا لكن ابن جانبلان رئيس الكشاف الغز في ذلك الوقت جمع جيشا كبيرا وتصدى للدفاع عن البلاد ودارت معركة حامية عند بلدة (حنك) هزم فيها الفونج هزيمة ساحقة وانسحبوا مهرولين تاركين قتلاهم ورائهم قيل واجتمع الدم في بركة هناك فسمي المكان بحوض الدم وبنوا فوقه قبة فجعلوها حدا بينهم وبين الفونج.
وقد قام حكام النوبة ( الكشاف)سنة1660م بالاستقلال عن مصر وأصبحوا حكاما مستقلين علي النوبة في ظل السيادة العثمانية وامتنعوا عن دفع الجباية والجزية لحكام مصر ماعدا الخراج التي كانت تدفع لوالي مصر ليحاسب بها الباب العالي في استنبول.
وفرض حكام النوبة الضرائب علي التجارة التي كانت تمر بين مصر والسلطنات السودانية عن طريق النوبة سواء الطريق البرى أو النهر.