في سنة 1881م قامت الثورة المهدية بالسودان( سلطنة الفونج وتوابعها والتي بقيامها كانت بزوغ الوطنية والقومية السودانية وقيام دولة المهدية.
إلا أن هذه الدولة وسعت أطرافها حتي شملت ثلثي النوبة ( سلطة الكاشف سابقا) وذلك بعد انسحاب القوات المصرية منها.
وقد اعترفت مصر سنة 1888م بحكم المهدية في هذه المنطقة، ولما كانت الأمة النوبية لم تستجب للدعوة المهدية ولم تشارك في قواته كبقية القبائل الأخرى فان توسع دولة المهدية في بلاد النوبة تعتبر غزوا واحتلالا مثل الغزو العلوي المصري إليها سنة 1820م ولا يحق لغازي التنازل لغازي آخر البلاد.
وفي سنة 1898م قام الجيش الانجليزى المصري باسترجاع النوبة ودولة المهدية وأطلق البريطانيون اسم السودان الانجليزى المصري علي جميع أراضي المنطقة شاملة مناطق النوبة التي استولي عليها المهدية من قبل.
وفي سنة 1899م تحددت الحدود بين مصر والسودان بناء علي الاتفاق السابق بين مصر والمهدية شاملة هذه المرة منطقة وادي حلفا بإصرار من انجلترا وأصبحت الأمة النوبية مجتمعين ( المجتمع النوبي المصري والمجتمع النوبي السوداني) وهكذا فقدت النوبة قوميتها وهويتها وذاتيتها بناء علي تلك المعاهدة الجائرة التي لم تكن الأمة النوبية طرفا فيها.
إن اعتراف مصر بحكم المهدية في منطقة النوبة سنة 1888م ومعاهدة 1899م التي تمت بناء علي هذا الاعتراف ليس له أي مرجعية أو سند تاريخي وماكان هذا الاعتراف إلا مكافأة من قبل حكومة مصر للثورة التي قامت بها المهدية ضد مصر لإقامة دولتها في السودان.
وقد استجابت للدعوة المهدية جميع القبائل في السودان ولم تستجب لها القبائل النوبية في منطقة (سلطة الكاشف) سابقا، الم تكن الأخرى بالحكومة المصرية آنذاك التمسك بوحدة وهوية الأمة النوبية وبأرضها التي تمتد من الشلال الأول جنوبي أسوان إلي الشلال الثالث طالما أن النوبة مصرية !
أو كانت ترفع يدها من إدارتها وتمكين أبنائها من إقامة دولتها المستقلة كما كانت قبيل الغزو العلوي المصري لها وطالما أن الأمة النوبية لم تشارك أو تستجب للدعوة المهدية ولاسيما أن هذه المنطقة من النوبة لها مرجعية وسند تاريخي فقد كانت مملكة مستقلة تسمي مملكة نوباتيا ثم كانت جزءا من مملكة النوبة المسيحية ثم الإسلامية قبل زوالها علي أيدي القائل العربية الوافدة، وقبيل الغزو العثماني سنة 1520م كانت تحت سلطة زعمائها المحليين، وقبيل الغزو العلوي المصري كانت منطقة مستقلة بها سلطة الكاشف المتناوبة.
فمن حق هذه الأمة التي لها ماض وكيان واصالة وتاريخ السعي بشتى الوسائل نحو قيام كيانها للاحتفاظ بهويتها وذاتيتها النوبية.
إن تمصير جزء من النوبة وسودنة الجزء الآخر مخالف لجميع الأعراف والقوانين الدولية وقد تمت دون إرادة أبناء الأمة النوبية التي حولتهم إلي أقلية في بلادهم في كلا الدولتين واتبع معهم العزل العنصري والتهميش السياسي وتفريغ الهوية الذاتية وتحويلها إلي مجرد موجودات يسهل التعامل معها، فقد جعلوها امة تؤمر فتطيع وتهان فتصبر ولاحول ولا قوة إلا بالله.