الزواج فى النوبة

كانت حفلات الزواج فى النوبة القديمة تقام خلال فصل الصيف وكانت الاحتفالات تتم فى الخلاء ، أما سبب اختيار فصل الصيف فهو أن معظم الشباب الذين يعملون فى المدن لا يحصلون على ألا جازات الاعتيادية إلا فى فصل الصيف .
فكانت احتفالات الزواج تستمر من خمسة عشر يوماَ إلى شهر وتختلف بعض العادات وطقوس الزواج فى النوبة من منطقة إلى الأخرى ، وتتكون عادات الزواج من ثلاث مراحل :

1-احتفالات ما قبل الزواج

بيرجار ( طلب اليد )


ادسيمار، أو الشيلة ( بداية الإعداد الرسمى للزواج )

كوفريه ( وضع الحنة للعروسين قبل ليلة الزفاف )

2-احتفالات الزواج


باليه ، أو اركنه ( يوم الزفاف الرسمى )

3-احتفالات ما بعد الزفاف


الصباحية ( يوم الصباح التالى للزفاف )


باركيد ( البركة ) أو تيجر ( الجلوس )


ويحتفل بها فى اليوم الثالث من الزفاف


كولود " كلمة نوبية بمعنى ( سبعة 7 ) فى الزواج يشير إلى نهاية الاحتفالات فى اليوم السابع





بــيــرجـــار
كان على أسرة العريس أن تبدأ المفاوضات مع أسرة العروس وفى اليوم المحدد يتجمع أعضاء أسرة العريس من الرجال وأصدقائه فى منزل العريس ، ثم ينطلق الجميع ( ماعدا العريس ) إلى منزل العروس وتبدأ الإجراءات الرسمية عندما يقترب والد أو أحد أقارب العريس من وكيل العروس قائلاً : جئنا نطلب معروفاً ، جئنا نطلب يد ابنتك لابننا ، فيرد الوكيل ( يشرفنا هذا ، البنت بنتكم والولد ولدنا )
وهذا لان اتفاقات مسبقة جرت بين العائلتين قبل هذا اللقاء ، فسرعان ما يتفق الجانبان ويقرأ الجميع الفاتحة ، ثم يقدم الفشار والبلح للضيوف وخلال فترة المفاوضات لا يؤخذ رأى العروس فى أمور الزواج وفقاً للمعاير النوبية ، فالفتاة المهذبة لا تعترض على فتى يراه أبوها أو ولى أمرها مناسباً لها ، ومنذ اليوم الأول للتقدم أو الخطوبة لا ينبغى أن يرى العريس العروس تحت أي ظرف من الظروف حتى يوم الزفاف .

ادسيمار :
هو اليوم الرسمى لبدء الإعداد لحفل الزفاف ، ويأتى هذا اليوم قبل خمسة عشر يوماً أو شهر قبل الزفاف ، وكانت تقوم القرية والقرى المجاورة بالمعاونه فى الإعداد والتجهيزات وترسل امرأة من العبيد لإعلام المنطقة بموعد الاستعدادات للاحتفالات ، فعندما تجتمع النساء والفتيات الصغيرات للعمل فى هذا اليوم يقدم إليهن المديد ( خليط من دقيق الذرة والسمن والعسل واللبن ) ويقدم المديد للعروس أولاً لان هذا يرمز إلى الرخاء والسعادة المؤكد لها فى الزواج ، ويبادر أسرة العريس والعروس بتنظيم وترتيب احتفالات الزواج وتتحمل أسرة العريس كل الأعباء المالية فالعريس لا يشارك فى تفاصيل التجهيزات إلا أن العروس تشاهد طحن الدقيق الذى سوف يقدم طعاما أثناء الاحتفالات وكذلك صناعة الشعرية وإعداد الخبز وطلاء حجرات العروسين .
وكانت تقوم النساء بطحن ما يقرب من 100 أو 150 كيلو جرام من الدقيق والذرة يدوياً وهذا لإعداد الخبز والشعرية ثم يعد على حجر الرحى ، ويستغرق الطحن من أربعة إلى ست أيام ( والشعرية طعام يشبه المكرونة الاسباجتى ) يأكلها النوبيون مع السمن واللبن فى المناسبات مثل الموالد والأعياد والزواج .
والجدير بالذكر أن إعداد مقر العروسين يعد من العناصر الأساسية فى الزواج ، حيث تقوم صديقات العروس بتزيين الحجرة وطلاء الجدران بمادة تميل إلى الاحمرار مصنعه من المواد الخام المحلية ، ثم تضعن السلال والأطباق الملونة والحصائر الملفوفة حول الحجرة ، كما تعلق المرايا والأواني المعلقة ( الشالوب ) والصور وأحجبه العين الحسود .
ويقوم الآباء والأقارب من الجيل القديم بإهداء معظم هذه الأشياء ، أما الأطباق والحصائر فتصنعها وتقدمها الفتيات كهدايا زواج للعروسين وكانت تعتبر من ( الكرى ) أي النقوط باللغة العربية و هى من شعائر الرابطة بين النوبيين وتسجل هذه الهدايا التى قدمت حتى ترد فى مناسبة مماثلة فى المستقبل فعدم الالتزام بهذه الواجبات يشكل إهانة بالغة ويؤدى إلى قطع الروابط الاجتماعية .
ثم يجتمع الناس فى منزل العريس لمدة خمس عشر ليلة ويرقصون من بعد الظهر وحتى منتصف الليل وكلما اقترب يوم الزفاف اتسم الرقص بالحيوية والنشاط .
وكانت هناك ليلة تسبق ليلة الحناء وكانت تسمى ( تنجود يندبى ) وفيها يتم ذبح البقرة والماشية للوليمة فيجتمع الضيوف فى منزل العريس ليرقصوا ويشاهدوا ذبح الماشية وبينما يقوم الجزارون بالذبح يجلس الرجال مع العريس فى ركن من أركان المنزل وتتجمع النساء والفتيات معا فى الجانب الأخر من المنزل فكان الغناء يعد من أهم السمات التى تميز هذه المناسبة ، وكانت موضوعات الاغانى تركز على المدح المفرط لأسرة العروسين .
وبعد انتهاء مراسم الذبح يتم إعداد الطعام الذى يتناوله الضيوف فى هذه الليلة وطعام الوليمة التى تقام فى اليوم التالى ، ثم يقدم الطعام للضيوف الذين جاءوا من أماكن بعيدة فى هذه الليلة أما أهل القرية والقرى المجاورة فيتناولون طعامهم فى منازلهم .

كــوفــريــة ( الـحنــاء )
تعتبر نساء النوبة الحنة من الأدوات الرئيسية للتجميل إن حنة العروسة من الضرورات الهامة فهى توضع فى اليدين والقدمين وعلى سائر أجزاء الجسم وتقوم الأقارب من النساء ذات الأبناء بوضع الحنة للعروس وتتكرر العادات المرتبطة بالحنة فى يوم صباح الزفاف وفى اليوم الثالث والسابع للزفاف ،ومنذ ليلة الكوفريه " الحنة " تتبادل أسرة العروسين الهدايا التى تسمى " النقوط " ويقدم النوبيون نقوط الزفاف للعروسين للام العريس والعروس ، ويبدأ أحد العبيد فى ليلة النحر ووضع الحنة بتسليم نقوط أم العروس إلى أم العريس فى طبق عميق مصنوع من الخوص ملئ بالشعرية وعليها أقماع من السكر ، ثم تعيد أم العريس السلة بعد أن تملؤها بالحبوب .

فى صباح اليوم الرسمى للزفاف أو أحيانا فى ليلة الحنه يضع العريس الحنه على القدمين واليدين بمعاونة أحد الأقارب ، وبعد الانتهاء من هذه الشعائر وقبل الشروق يهرع العريس بصحبة الأصدقاء حاملاً سيفه إلى نهر النيل حيث يغتسل ويغمر سيفه فى الماء ويقدم بعض الهدايا والطعام إلى ملائكة النيل ، ويجلس الجميع بعيداً وهم يغنون اغانى الزفاف متمنين السعادة والرفاهية للعروسين ، وكانت هذه الشعائر ضرورية لضمان خصوبة وحيوية العريس .
كما اعتادت العروس أن تضع الوشم على شفتيها وتتجه وصديقاتها إلى النهر لتغتسل فى صباح الزفاف ، وكانت زيارة واستخدام مياه النهر تهدف إلى ترضية الملائكة والحصول على الحماية من الجن الشرير .
ويعطى النوبيون أهمية خاصة للملابس التى يرتديها العروسان والأقارب من الجنسين وكذلك أفراد الأسرة من الأعمار المختلفة ، فكان يرتدى العريس زياً تقليدياً يتكون من جلابية بيضاء من القطن وقفطان من الحرير ويضع كوفية على الكتف وعمامة بيضاء على الرأس ويضع فى قدميه خفاً احمر اللون يسمى ( مركوب ) بالعربية ، ويحمل سوطاً وسيفاً وخنجراً ، فالسيف والخنجر يرمزان إلى القوة والسلطة ووسائل دفاعية ضد الأرواح الشريرة ، وكما تميزه عن سائر المدعوين وكما لها وظيفة خاصة وهى إرهاب أصدقاء العريس الذين يتزاحمون عند حجرة الزفاف .
وكانت العروس ترتدى ملابس جديدة وكان هنالك زى موحد للعروس فى النوبة ، فكانت ترتدى ثلاثة أنوع من غطاء الرأس ، غطاء ذى ألوان فوق الرأس وقماش شفاف على الوجه وثالث من القماش الأبيض الثقيل فوق الغطاءين بحيث يتم تغطية الرأس كاملة ، وكان شعر العروس يجهز ويقسم إلى خصلات صغيرة من قبل امرأة متخصصة تسمى ( دوينشا ) أو المشاطة باللغة العربية ، أما فى اليوم التالى فترتدى العروس مجموعة من الحلى الذهبية مما يقدمه الأبوين والعريس وما تم إعارته من الصديقات الأقارب ، فالحلى الذهبية كانت نوبية ومعظم النساء ترتدين مثلها وكان هناك أشكال وأحجام مختلفة أساور الرقبة التى تعرف
( بالجاكيد أو بييه ) والتى تحتوى على الذهب المسطح وكانت العروس ترتدى حلقين فى كل أذن تسمى ( بارتوى أو زمام ) أحدهما يوضع فى الجزء الأعلى من الأذن والآخر فى شحمة الأذن ، كما تضع دبلة فى انفها تسمى ( زمام بنيه ) وأطواق فضية ( حجول ) فى كاحل القدمين وبذلك يكتمل زى العروس
ويحرص الضيوف على ارتداء ملابس جديدة فى حفلات الزواج وترتدى النساء فى مناطق الفادجة الجر جار الأزرق الخاص بدلا من الجرجار الأسود الذى يرتدينه فى الأيام العادية ، كما يرتدين الغطاء الأسود وأغطية أخري ملونه أما نساء منطقة الكنوز فيرتدين الجلابية الملونة والشجه البيضاء ، كما يرتدى الرجال أفضل الجلاليب .
ويتم دفع المهر وعقد القران فى نفس يوم الزفاف حيث يتجه الضيوف والزوار والأقارب بعد تناول وجبة الغذاء فى منزل العريس فى موكب وبصحبتهم المأذون إلى منزل العروس وكان يدفع المهر بعملات فضية حتى تبدو ثقليه ، وكان المهر ذا سمة رمزية فقد كان يهدف إلى ترسيخ وإضفاء الشرعية للاتفاقات التى أبرمتها العائلتان .
وعند وصول الموكب لمنزل العروس تقدم أم العروس وجبة غذاء ثانية للزوار أو الضيوف ، وبعد ذلك يعود الضيوف لمنزل العريس حيث يستقبلهم العريس فى زيه الجديد ، وفى تلك الأثناء وفى حضور الضيوف يقوم المأذون بإجراء اختبار للعريس فى علوم القرآن طالباً منه تلاوة بعض السور المعروفة ، ويقوم العريس بالتلاوة بيسر وخاصة إذا سبق له الالتحاق بالكتاب .
وبعد التلاوة يقول المأذون لوالد أو ولى أمر العريس ( نجلك على دراية جيدة بالقرآن ) ما الجائزة التى يتناولها ؟ وكانت الإجابة التقليدية التى تتسم بالمبالغة هى " سنعطيه عشر ساقية فى منطقة كذا وعدد من النخل ، ولم تكن هذه الهدايا إلا تعبيراً عن النوايا الطيبة لان عدداً قليلاً من النوبيين كانوا يمتلكون مثل هذا العدد من السواقى أو أشجار النخيل .
وكانت احتفالات الزواج فى النوبة تقام فى منزل العريس والعروس وكانت استعدادات إعداد الوليمة تبدأ فى صباح يوم الزفاف فى منزل العريس ثم بعد ذلك فى منزل العروس حيث يعد متطوعون من شباب وشيوخ القرية الوليمة التى تتكون من الفتة وأطباق الخضراوات وكان الغذاء يقدم فى صوان كبيرة مستديرة إلى الضيوف الجالسين على الحصير فى مجموعات ، فيقدم الطعام أولاً للرجال ثم النساء فالأطفال ويعود المأذون والضيوف فى وقت الظهيرة إلى منزل العروس حيث تقام مراسم التوقيع على عقد الزواج ، ثم تستأنف الاحتفالات فى منزل العريس فى وقت الغروب وكان الرقص والغناء الذى يقوده الموسيقيون من العبيد يشكل أهم عناصر هذه المناسبة ، وتستمر هذه الأفراح التى يشارك فيها معظم الضيوف حتى صباح اليوم التالى ، ثم يبدأ موكب من منزل العريس بين الساعة الثانية أو الثالثة صباحاً متجهاً إلى منزل العروس ، وكان يصاحب أحد العبيد حاملاً إبريق من الماء لكى يشرب منه العريس عندما يشعر بالظمأ وكان يصاحبه أيضاً شاب صغير يطلق علية لقب ( دوشيه ) أى بمعنى الخادم الخاص للعريس ، فيحمل البخور للحماية من الأرواح الشريرة ، كما كان يحمل كرسياً ليجلس عليه العريس كلما توقف الجمع للرقص عند أحد المنازل ، وكان العريس ورفاقه يتقدمون الموسيقيين الذين يرعون الرقص والغناء ويتبعهم أفراد العائلة والضيوف من الرجال وأقارب العروسين والنساء ، ثم الفتيات والأطفال وكان الموكب يمر أمام منازل القرية حيث تقام فقرات من الرقص الخاص أمام منازل الأقارب والأصدقاء .
وبعد ذلك يتوجه الموكب بزيارة الأضرحة الكبيرة المتواجدة فى محيط القرية ، وعند كل ضريح يقوم العريس ورفاقه بالطواف حول الضريح سبع مرات طالبين البركة للزواج ويستمر فقرات الرقص والغناء لمدة أربع ساعات كاملة واكثر ، وينتظر عدد قليل من النساء فى صحبة العروس التى ترتدى ملابس الزفاف وتغطى وجهها بالخمار ، وعندما يصل الموكب إلى منزل العروس تتقدم أم العروس أو إحدى الأقارب من النساء لاستقبال العريس ويقدمون له اللبن المحلى بالسكر لضمان حياة سعيدة زاهرة للعروسين .
وكان فى بعض الأحيان ترش النساء اللبن على وجه العريس وتطلبن النقوط ، ثم يتجه العريس إلى غرفة العروس ويصاحبه صديقان من المقربين إليه محاولاً إزاحة الخمار عن وجه العروس إلا انه يفشل فى هذا الأمر ، وعندما يشعر بمراوغة العروس يجذب العريس الخمار الأبيض الثقيل ويلقيه أرضاً ، ثم يصلى على الخمار ثم يلقى البلح والذرة على رأس العروس المغطى بالخمار الداخلى ، ثم يخرج تاركاً الحجرة وهو يشعر بالإحباط لإخفاقه فى رؤية وجه العروس ،( وفى بعض المناطق النوبية الأخرى كان يجذ ب العريس الخمار بحد السيف الذى يحمله طوال فترة الاحتفالات وبعد ذلك يحدث جرحاً خفيفاً فى ساق العروس)
ثم يقضى بقية الليلة فى صحبة الأصدقاء ، كما تقضى العروس الليلة مع صديقاتها إلا أن العريس لا يدخل على العروس فى ليلة الزفاف ، فأثناء شعائر فتح الفم كان المرافقون من الرجال والنساء يطلقون النكات والضحكات ، وكان المتلصصون من فتحات غرفة العروسين يقدمون التقارير للآخرين عن مدى مقاومة العروس وإحجامها عن إتمام الدخول بها .

الــصـبـاحــيــة
تشير كلمة الصباحية إلى الصباح التالى بعد ليلة الزفاف وكان هذا الصباح بداية اليوم الذى يدخل فيه العريس على عروسه ، لذا كانت الأنشطة فى هذا الصباح عنصراً هاماً من عناصر احتفالات الزواج ، وكان كلا العروسين يذهبان إلى نهر النيل بصحبة الأصدقاء والأقارب الذين قضوا معه الليل .
وكانت تقدم الهبات للمرة الثانية لملائكة النيل الذين يتولون حماية الخصوبة لدى العروسين ، وعندما يعود العريس من النهر كان يتجه بهدوء إلى غرفة العروس فى صحبة الداية التى تقوم بخدمة العروسين لمدة أسبوع .
وكانت العروس المحجبة تجلس على حصير خاص وجرت العادة ألا تتحدث العروس مع عريسها تحت أى ظرف من الظروف حتى يدفع مبلغاً من المال وكان النوبيون يطلقون عل هذه العادة ( أجيل بايند ) والتى تعرف بفتح الفم والمقصود منها الكلام أو الحوار مع العريس ، وبعد فترة من الإحجام قد تستغرق نصف ساعة أو اكثر ثم تقبل العروس الهدية المالية وتتحدث إلى عريسها ، وكانت هذه العادة إشارة الإتمام البدنى للزواج .
وبعد ذلك يقابل العريس أصدقاءه وضيوفه فى الجزء الخارجى من المنزل ، بينما تقابل العروس صديقاتها فى الجزء الداخلى من المنزل ، ثم يتناول الضيوف الشعرية التى تم إعدادها لهذه المناسبة ويرسل العريس أطباق الشعرية إلى منازل القرية معبراً عن شكره لأهل القرية .
وفى المساء يجتمع الضيوف مرة أخرى لزيارة العريس ويقدم الموسيقيون فقرات من الرقص والغناء ، ثم يقدم أحد أفراد عائلة العريس أو العروس طعام العشاء للضيوف وكان هذا الاحتفال يستمر حتى ساعة متأخرة من الليل ، وكانت العروس تقيم فى غرفة تسمى ( الديوان أو حصيركا ) وهى (الحجرة الخاصة للعروس ) لمدة أربعين يوماً وتقضى السبعة الأولى على الحصير بجوار ( ستارة ) وتقال باللغة النوبية ( كالد ) ويقيم العريس معها فى عزلة لمدة لا تقل عن سبعة أيام حتى يوم الكولود ( أى اليوم السابع من الزفاف ) وتعرف فى العامية بالسبوع .

بـاركــيــد ( تـيـجــر )
تأتى هذه الكلمة فى اللغة العربية بمعنى ( البركة ) أما باللغة النوبية ( تيجر ) فمعناها ( الجلوس ) وهى الفترة التى تمثل الانتظار لاستلام الهدايا فكلتا الكلمتين تستخدمان فى هذه المناسبة ، وكان باركيد أو تييجر يقام فى اليوم الثالث بعد الزفاف وكان الهدف الرئيسى من هذه المناسبة هو استلام العروسين للنقوط والتى كانت عبارة عن أقماع السكر إلا أن بعض الضيوف يقدمون هدايا من الحمام والبيض والشاى والقمح ، وكان الرجال وأصدقاء العروس فقط يقدمون النقوط فى هيئة أموال نقدية ، وكان النقود المقدم بكل أشكاله يسجل لكى يرد بالمثل أو مضاعف فى مثل هذه المناسبات وكان النقوط الذى يجمع فى يوم الباركيد يسلم لأم العروس التى فى المقابل تقدم طعام الشعرية إلى الجيران والأهل ، وتقدم الفشار والبلح للضيوف الذين يتوافدون خلال النهار كما تقوم أم العريس فى هذا اليوم بزيارة وتهنئة العروسين فى مقرهم لأول مرة ، بينما لا يقوم والد العريس بمثل هذه الزيارة فى هذا اليوم .

كـــولـــود
تشير هذه الكلمة إلى انتهاء مراسم الزفاف وتعنى هذه الكلمة فى اللغة النوبية إلى كلمة ( سبعة ) أى اليوم السابع من الزفاف ، وفى هذا اليوم تذبح الماشية فى منزل العروس ويرسل اللحم إلى منزل العريس فى وقت الظهيرة ، وبعدها يرتدى العريس ملابس الزفاف ويصاحبه الموسيقيون والضيوف وأفراد الأسرة فى موكب آخر ( زفة ) إلى منزل والدية ، وتسير النساء فى مؤخرة الموكب حملين صوانى الطعام من منزل العروس إلى منزل العريس ، حيث يتناول الجميع الطعام ، ويسمح للعريس فى هذا اليوم بالخروج من منزل الزوجية لزيارة والدية .


(2)الموسيقى فى النوبة

يعتبر الغناء والرقص الشعبى من العناصر الرئيسية لمظاهر الاحتفال فى مجتمع النوبة .
وكان ( التار ) أو ( الداكالاكا أو نوجاره ) والزغاريد هى الأدوات الموسيقية التى تستخدم فى بلاد النوبة

، وتضفى الزغاريد التى تطلقها النساء جوا من الإثارة والفرحة ، كما كان هناك ثلاثة رقصات رئيسية فى النوبة وهى :

كومباجاش
وهى رقصة تؤدى بشكل جماعى يقف الرجال صفوفاً عديدة تزيد عن عشرة أفراد تقابلها صفوف متوازية من النساء وتأتى صفوف الفتيات فى الخلف بعيداً عن أعين الرجال .
وكان الموسيقيون من الرجال يعزفون على الدفوف ، وكانوا يقفون فى أحد الأركان المواجهة لمركز الرقص ( حيث كان الرجال يتصفون بالمهارة على العزف لآلة التار أو الدف )
حيث تتقابل صفوف الرجال والنساء وكانت هذه الرقصة تتسم بقلة الحركات ، وهى حركات تواكب إيقاع الغناء الموسيقى فتتمايل صفوف الرجال وصفوف النساء وايديهم متشابكة ثم يأخذون عدة خطوات أمامية ليها خطوات خلفية وكان الجميع يرددون الغناء وكانت أحيانا تتقدم إحدى السيدات من كبار السن لترقص وسط الصفوف .

أولــن أو كــف
فهذه الرقصة تعتمد على التصفيق الإايقاعى بالأيدى وتتطلب مهارات خاصة تفوق رقصة الكومباجاش فيقف مجموعة من الرجال فى محيط نصف دائرى وهم يصفقون معاً بالأيدى تنضم النساء والفتيات من العبيد وهن يترنحن بأجسامهن تارة للأمام وتارة للخلف .

ارجــيـــد
يقف الموسيقيون والرجال صفاً فى مواجهة النساء اللأتى يقفن فى صفوف طويلة ، وتتسم هذه الرقصة بخطوات الحركة التى تشبه خطوات الرقص التصفيقى إلا أن الراقصين يتبعون إيقاعاً سريعاً فهذا الفريق يتكون من المغنى وضارب الدوف والمنادى" بدايما " وتعبر كلمة ( دايما ) ومعناها ( على الدوام ) عن المديح والشرف للأفراد الذين ينادون أسماءهم ، فكان يتوقف العزف والغناء لمدة ثوان قليلة ليصيح المنادى ( فلان الفلانى ... دايما ) فالناس الذين ينادى على أسمائهم يقدمون بعض النقوط أى بضعة قروش للمنادى

الأغنية النوبية هى ثروة التعبير العاطفى لدى أهل النوبة منذ زمن بعيد ، وهى ما تزال حتى اليوم تحتل فى نفوسهم المكانة الاولى بين سائر فنون التعبير الشعبى الأخرى التى عرفوها ومارسوها ، فالغناء فى النوبة هو المجال الذى يلتقى فيه الجميع من الرجال والكبار إلى الصبية الصغار ومن عجائز النساء إلى الصبيات ، فلا يمكنك فى النوبة أن تخطئ الإحساس بان الأغنية متغلغلة فى ضمائر الجميع وانهم ينجذبون إليها كأنها مغناطيس .
ويحتل الغناء والطرب المكانة الاولى من نفوس أهل النوبة حتى لقد كان يتكلف الشخص مشقة عبور النهر لمجرد انه استمع إلى صوت فى الضفة الأخرى يرتفع بالغناء ، بل كثيرا ما يتكبد الشخص عناء الانتقال من نجعه إلى نجع قصى يركب إليه النيل أو يسير على قدميه ساعات لكى لا يفوته الاستمتاع بالغناء فى عرس بذلك النجع البعيد ، وقد لا يكون مدعوا إلى هذا العرس .
والغناء من مواد السمر فى النوبة فليس من الضروري أن يكون هناك عرس حتى تستمع إلى المغنى ، وليس من الضروري أن يكون المغنى متخصص أو محترف لأن كل شخص فى النوبة يستطيع أن يغنى من الأغانى ذات الإطار المفتوح التى تدور فقراتها جمعياً فى إطار موضوع عام وأن تحدثت كل فقرة عن شئ لا يأتلف دائماً مع سائر الفقرات، وهذا يحدث فى العادة عندما يشترك اثنان أو أكثر فى الأغنية الواحدة ، وقد يحدث كذلك مع المغنى الواحد ، وعلى سبيل المثال فإذا سمعت أحد الفاديجات يغنى ( اسمر اللونا ) فلا تظن أنك سمعت هذه الأغنية وإن كان قد غناها لك من قبل اكثر من واحد ، ذلك أن كل مغنى يقول فى الإطار لساعته ما يتبادر إلى خياله وذهنه ، وكذلك الأمر بالنسبة لأغنية ( اللالون يالون.. لونا يالونا ) فى مناطق الكنوز
وكانت هناك مناسبات أخري غير الأفراح والسمر يظهر فيها الغناء ، وكان يظهر هذا فى أثناء تسوية الأرض أو زراعتها حيث كانت تنطلق الأغنية مع إيقاع ضربات ( الطورية ) فى الأرض ، واثناء الحصاد ، وفى البيت تغنى المرأة لطفلها الرضيع ، كما كانت تغنى وهى منهمكة فى عملها حين تجلس لتدير الرحى أو لتصنع الشعرية ، وكانت الفيتات أيضا تغنى فى طريقهن من النيل إلى بيوتهن حاملات الجرة أو الصفائح المملوءة بالماء ، فالأغنية النوبية تستمد صورها ومادتها التعبيرية من البيئة فهى رصيد للخيال الشعبى النوبى ومشاعر الإنسان النوبى بكل ما تتميز به من بساطة وبراءة .