قد يكون الماء احد اكثر المواد المالوفة لنا في العالم ، لكنه بالتاكيد ليس شيئا عاديا. والواقع ان الماء يمتاز بخصائص كيميائية فريدة تجعله من التعقيد بمكان بحيث انه بعد عقود من البحث ، لا يزال أمام العلماء الكثير ليكتشفوه عن هذا الشئ الرائع.

فان المياه ، كما تبدو واضحة التالق وهي السائل الذي يغطي ثلاثة ارباع سطح الارض ، ناهيك عن دوره في بناء الحياة كما نعرفها ، وهو كذلك يعتبر المركب الكيميائي الأكثر وضوحا (H2O). الماء موجود في كل مكان. ومع ذلك ، لا يزال العلماء يبحثون لمعرفة خصائصه.

الماء بكل بساطة ليس كغيره من السوائل.

اذا ألقيت بمكعب من الثلج في كوب من الماء فإنه سيطفوعلى السطح ، . ذلك لان الماء يتمددعند تجمده بحيث تكون كثافته عند تجمده اقل منها في حالته السائلة. لكن معظم السوائل يحدث لها العكس من ذلك. فإذا انكمش اصبحت اكثر كثافة ، حيث أنه إذا تجمد غرق ولم يطفو. اذاحدث هذا الشئ للماء بهذه الطريقة فسوف يتراكم الجليد في اعماق البحيرات والمحيطات خلال الشتاء ، وسيكون من الصعب عليه الذوبان في الربيع. وهذا سوف يؤثر علي الاحياء المائية.

وهناك سمة أخرى مثيرة للدهشة, وهي أن الماء يغلي في درجة حرارة مرتفعة وهي 100 درجة مئوية عند مستوي سطح البحر ، و إذا ما قارنا هذا مع شئ مماثل في الحجم لجزيئات الماء. فاذا انطبق على الماء ما ينطبق على غيره من السوائل، فمن المفترض أن يكون الماء على شكل غاز في مثل هذه الظروف ، و لن تستمر االحياة عندئذ.


وبصفة عامة ، فإن الخصائص الغريبة لجزئ الـ H2O من الممكن فهم جزء كبير منها, فالعلماء يعزون الصفات و الخواص الفريدة للماء إلى الروابط الكيميائية التي تشكله وإلى ما يعرف بـ " حواجزالهيدروجين " عند التفاعل بين ذ رات الهيدروجين و الأوكسجين المجاورة لجزئ الماء ينشأ نوع من الحواجز لحماية الجزيئات. ما يبدو غير واضحا بشكل أو بآخر ، لكن التفاصيل الدقيقة لكيفية تشكل هذه الحواجز كما تبدو لنا في حالات عديدة فهي على الشكل التالي ، مثلا عندما توجود مواد كيميائية علي سطح الماء. وهذه ليس بالمهمة السهلة لأن الروابط الهيدروجينية الكيماوية تقوم بعملها كفنان تشكيلي : بحيوية كبيرة ، تشكل الروابط التي تتنوع في قوتها وحجمها. وعلي الرغم من ان الماء يؤثر في كل شيء بدأ من البروتينات داخل الخلايا و حتى العوامل الجوية التي يمتد تأثيرها حتى إلى الصخور على شواطئ المحيطات ، يصبح الإتيان على كل هذه التفاعلات أمرا صعبا جدا.

لكن البحوث التي أجريت على المياه أحرزت تقدما عند العلماء المسلحين بأدوات متطورة وآفاق جديدة " لقد أخذوا بإلقاء نظرة جديدة علي الاسئلة القديمة" بحسب ما ذكرته كاثرين كوفيرت مديرة البرنامج الأول في المؤسسة القومية للعلوم في شعبة الكيمياء. و هي ما تزال تعترف "اننا لم نقترب بعد من فهم كيف يعمل الماء في كل وقت و في كل بيئة."

ومؤخرا زودنا بعض العلماء بآراء اكثر تفصيلا حول جزيئات الماء حتي الآن. فقد ذكرت مجلة العلوم ملاحظة حول ذلك آخذة في الاعتبار خلاصة العمل الجماعي لعدة فرق من الباحثين (جميعها عدا واحدة وهي المؤسسة القومية للعلوم) حول المياه من حيث البنية والسلوك الكيميائي كأفضل 10 بحوث مقدمة لعام 2004. ورغم أن النتائج لم تكن موثقة ، وبعضها كان بمثابة تحدي للشئ المألوف في الواقع ، فإن اكتشافات عام 2004 اثارت قدر كبير من الاهتمام والنقاش المثمر بين العلماء. وفي حال كانت هذه النتائج "كاذبة" فإن من شانها تغيير التفكير في تخصصات مختلفة مثل الارض والجو بل وحتي البيولوجيا والكيمياء.


عاد النقاش بين العلماء مؤخرا لسيخن من جديد حول بنية المياه السائلة. ووفقا لما ذكره انديرز نيلسون ، الاستاذ في جامعة ستانفورد " فإن الكثير من الافكار والنظريات حول المياه الموجودة من حولنا "ولكن بالرغم من الفرضيات التي تدعم هذا الاعتقاد فإن التجارب العلمية الداعمة لهذا الاعتقاد لاتزال محدودة . حتي مجموعة نيلسون التي تعتمد على طرق المعرفة التقليدية , اختار أن يعتمد على البيانات الجديدة.

قام الفريق باخذ اللقطات المصورة للتفاعل بين جزيئات الماء باستخدام طاقة عالية من الأشعة السينية. ورغم ان التقنية كانت قديمة غير أن تطبيقها لهذا الغرض كان شيأ جديدا ، وكانت النتائج مدهشة. فقد كانت النماذج التقليدية تفيد بأن كل جزيء من الماء يشكل روابط قوية مع أربعة جزيئات أخرى (انظر الصوره الشكل). ولكن مجموعة نلسون من الباحثين وجدوا ان معظم جزيئات الماء تشكل صلات قوية مع اثنين اخرين فقط. واذا تحقق ذلك فإن نتائج الفريق توحي بأن مركب جزيء الماء الذي يصور في كتب الكيمياء المدرسية غير دقيق . بل ان المرجح هو أن الماء يتشكل على شكل شبكة فضفاضة وسلاسل وخواتم. ومن المرجح ان يستمر النقاش ، اذ ان التجارب الاخيرة التي أجريت و تحليل الاشعة المخبرية المختلفة يدعم الراي السائد حول البنية التي يتشكل منها الماء.

الايونات والتفاعلات


في عام 2004 ، تناول العلماء مسألة الجسيمات المشحونة بالايونات مثل الكلوريد من ملح الصوديوم ، الكلوريد (المأخوذ من كلوريد الصوديوم)على سبيل المثال عند البحث في جسيمات المياه. كانت المعلومات القديمة تقول بأن طبقات المياه السطحية تصد الايونات التي تحفل بالملوحة في مياه البحر. ولذلك يعتقد العلماء ان هذه الجزيئات تصبح دفينة الغوص في الأعماق . لكن التجربة الجديدة التي إعتمدت على الحاسوب ونماذج مختلفة من فرق البحث تؤكد بأن المفهوم السائد هو خطا. على الرغم من وجود اختلاف حول بعض تفاصيله غير ان الجميع يتفق على أن بعض الايونات موجودة في الطبقات السطحية المياه. وحيث تتراكم الايونات يمكن ان يحدث التفاعل الكيميائي.

في الواقع ، تعرض الايونات علي سطح المحيط للهواء يجعل من الممكن حدوث اندماج و تفاعل مع جميع انواع الكيماويات في الجو. ولذلك يحدث الضباب و قطيرات الرذاذ عند المحيطات حيث يمكن ان تكون اكثر تفاعلا من الناحية الكيميائية مما كان معتقدا. بل تشير البحوث الاخيرة حول الجو بأن هذا هو الحاصل فعلا. فعلي سبيل المثال ، تشير التقارير الي ان اثنتين من الايونات الموجودة في ماء البحر ، والكلوريد يطلق تفاعلات كيميائية يمكن أن يؤدي إلى تدمير الاوزون في اجواء القطب الشمالي. لكن هذه الاحداث الطبيعية المدمرة قد حدثت بفعل الرياح والامواج و الرواسب الكيميائية علي الجليد القطبي المعرض لضوء الشمس. إن نتائج عام 2004كشفت للكيميائيين الذين يقومون بالأبحاث على الغلاف الجوي عن مدى تجاهلهم لمساهمات الايونات عند سطح البحرفي تشكيل أشياء مثل نوعية الهواء و سيتعين عليهم اعادة النظر في حساباتهم.

يتبع،،