حالمون في ليل الإنترنت
كتبه أحمد عبد الحميد

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،

بينما يعتبر كثير من المتخصصين أحلام النوم الطبيعي نوعاً من الترتيب للذهن، وغسلاً للعقل من كافة المثيرات غير الهامة التي يتعرض لها الإنسان في حياته اليومية؛ فإن أحلام اليقظة حيلة نفسية، وعبء جديد يضاف إلى الذهن المكدود أصلاً. وإلا فما الذي يجعل الإنسان يهرب من واقعه المعاش الصعب إلى عالم خيالي آخر إلا عدم قدرته على معالجة هذا الواقع والتغلب على صعوباته.

ومنذ اختراع هذه التقنية العجيبة -الإنترنت- لم يَكُفَّ البعض عن اعتبارها آلة لصنع الأحلام تشبه مثيلاتها في عوالم كرتون الأطفال. وأصبحت هذه الآلة هي الحل السحري لكافة المحبطين والمكتئبين والمضغوطين بواقع الحياة وتعقيداتها. فما على الإنسان إلا امتلاك حاسب آلي وطريقة للاتصال بالإنترنت، وارتداء سماعات الرأس، وليحلق بعدها في الفضاء الرحب -تماماً كصورة رواد الفضاء-، ويبقى له الحديث بصوت معدني مغاير لصوته الحقيقي، وهذا يمكن للبرامج ولاقط الصوت (الميكروفون) القيام به خير قيام!! وليتحول هذا المحبط إلى إنسان حكيم، ناجح، فعال، مؤثر، متواصل مع الناس، بل وموجه لهم، يفكر ويخطط ويقود ويحقق انجازات لم تعرف لها البشرية مثيلاً. ويلتقي على الشبكة مع الناجحين أمثاله، الكل متحرر من اسمه ونسبه، وواقعه، وشكله، وصوته، ويرتدي قناعاً يخفي معالمه الحقيقية مما يجعل الإنترنت أشبه بحفلة تنكرية كبيرة.

ولأن الواقع المعاش محكوم بالعديد من القيود والضوابط المختلفة؛ فيحاول الحالم العنكبوتي إيهام نفسه بأن الإنترنت حياة بلا قيود ولا رقابة من أي نوع؛ فيتكلم بما شاء من آراء مهما كانت شاذة أو صادمة.

ويساعد على هذا الوهم جهل الكثيرين بحقيقة الإنترنت، والإمكانيات الفنية التي تتيح لأصغر مستخدم للحاسب الوصول إلى أدق التفاصيل الحقيقية عن غيره من المستخدمين؛ حيث أنه من الشائع في دنيا الإنترنت وجود هواة الاختراق الذين لا متعة لهم إلا في اختراق أجهزة الآخرين، وما يظنونه وسائل حماية وتحصين منيعة، ناهيك عن محترفي ذلك.

وبينما ليل اليوم محدود؛ فليل الإنترنت طويل بطول الحياة. وبينما النائم الحقيقي مرفوع عنه القلم؛ فاليقظان النائم الحالم على الإنترنت وغيرها مكلف ومؤاخذ؛ لذا فغالباً ما يستخدم مصطلح (أحلام اليقظة) على سبيل الذم والتهكم. وغالباً ما تضاف إلى الأحلام كلمة (الوردية) للإشارة إلى البون الشاسع بين الحياة وصعوباتها، وبين أمنيات تريد الحياةَ ناعمةً نديةً كالورود.

وهذه الأحلام الوردية من طبع المراهقين والمراهقات؛ لكون الطموح مع الخفة والاضطراب النفسي هي طبيعة هذه المرحلة، ولكن من الناس من يبتلى باستمرار هذه العادة السيئة معه في كبره، وبعد أن كنا نسمع عن المراهقة المتأخرة التي تصيب البعض صرنا اليوم نسمع وبكثرة عن المراهقة المزمنة.

وهذا الأمر وإن كان مفهوماً في حالة من يعانون فشلاً دراسياً أو عملياً أو حتى كبتاً عاطفياً أو جنسياً، فإن من أشد ما يحزن هو تسلل حالة المراهقة الفكرية المزمنة تلك إلى شباب الصحوة الإسلامية الذين هم أمل الأمة وفجرها الآتي.

فبسبب الآلام المتواصلة التي تعيشها الأمة وحالة الإحباط المسيطرة على أكثر الشباب، تجد قوافل من شباب الصحوة قد دست رأسها في (ماكينة الأحلام) تلك؛ فلا حاجة إذاً لمجاهدة للنفس أو معالجة لعيوبها، ولا لمكابدة في طلب العلم وتعليمه، ولا لمعاناة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا حاجة للتواجد الحقيقي الفعال المؤثر على الأرض، ولماذا نصبر على تربية الأجيال؟ فهذا أمر شاق طويل الأجل. نحن بحاجة إلى نصر سريع قليل التكاليف فكفانا انتظاراً، وهيا بنا إلى ماكينة الأحلام!!

وفي أيام معدودات يتحول المتأخر في طلب العلم إلى الشيخ (فلان) الجليل الحبر البحر، بل وسيد من سادة العلم في جزيرة بحر الأوهام، ويصبح من حقه أن يفتي في كل كبيرة وصغيرة، ويُبَدِّع ويُضَلِّل أو يكفِّر كيفما شاء.

وليتحول الفاشل دعوياً، فاقد المشروع والهدف، ضئيل الإمكانيات إلى مفكر كبير، ومخطط عظيم، وموجه حكيم، يرسم الخطط والاستراتيجيات، ويحرك الجيوش يميناً ويساراً -بالمناسبة هل تعلم لماذا تلقى ألعاب الاستراتيجية الإلكترونية كل هذا الرواج-؟

وكون الإنسان يحلم لنفسه وهو يقظان فهذا عيب، وأقبح منه من يحلم لغيره بالنيابة؛ فتجده يرسم لغيره قصوراً في الهواء، ويضع له أولوياته وأهدافه في حين يُعْفِي نفسه من كل مسئولية، فدوره انتهى مع آخر حرف يضغطه على لوحة المفاتيح، ويبقى الآخرون -إن لم يستمعوا لنصيحته- قاصرو الرؤية، لا يعرفون مصلحتهم، ولا ينظرون أبعد من موطئ أقدامهم، أما هو فثاقب النظر، قدمه على الأرض، ورأسه تناطح السحاب.

الأمر الذي يضغط على نفسية البعض فيصاب هو الآخر بهذا الهوس، وتنتقل له العدوى بصورة أو بأخرى. ويبقى الناس بين خادع ومخدوع، وآخر ينتظر دوره إلا من رحم الله.

ويشترك الحالمون في ألم يصدع رؤوسهم عند اصطدامها بصخرة الواقع الصلبة، وهي مرحلة حتمية -على الأقل بعد الخروج من الإنترنت-؛ ليكون الحل الأسهل هو العودة السريعة إلى هذا الحلم قبل أن ينتهي، ولا ينتهي أبداً.

ونحن هنا نربت برفق على أكتاف إخواننا الحالمين، ونقول لهم بصوت رقيق حان -حتى لا ينزعجوا في نومهم-: "أفيقوا يرحمكم الله!!".