الشيخ كشك الداعية العملاق...والأقزام



بين الحين والآخر أجد نفسي خارجا عن كل ما في الدنيا وأحوال الناس محلقا بذاكرتي مع الشيخ كشك رحمه الله وأقواله ومواقفه وثباته وإسقاطاته القوية المعبرة، نعم ولم لا وقد عرفت الشيخ كشك وأنا في سن صغير لم أبلغ الرابعة عشرة من عمري وكلما كبرت في السن كبر معي الشيخ كشك في نفسي وفي قلبي نعم أراه يكبر جدا بحيث أراه دائما عملاقا وأرى كل من يحاولون الصعود إلى مكانه عيالا أقزاما كلما حاولوا الصعود سقطوا إلا ما رحم ربى من الدعاة المخلصين ولكنهم قلة جدا جدا ومع ذلك لم يصلوا إلى ما وصل إليه الرجل.

ودائما كنت أقف وأفكر كثيرا مع قول الحق تبارك وتعالى: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً} [الأحزاب:23] فقد تعلمت من شيوخ التفسير أن {مِنَ} في هذه الآية للتبعيض؛ أي أنه مع وجود الإيمان إلا أنه قلة من المؤمنين من توافرت فيهم صفة الرجال الصادقين العهد مع الله الذين لم يبدلوا في دينهم ودائما كنت أضع الشيخ كشك رحمه الله رحمة واسعة في هؤلاء الرجال في تلك الآية، نعم ولم لا فقد عاش الرجل حياته كلها لله تحمل فقد بصره وفقره واجتهد ونال أعلى الشهادات وارتقى منبر رسول الله فكان من أفضل الدعاة ومن خير الرجال في مدرسة الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم وكان في كل خطبة ينادي يا حماة الإسلام وحراس العقيدة فأين هم؟

وعزف الرجل عن الدنيا كلها لما جاءته رفض أن يسافر إلى دول الخليج كي ينال حظا من الدنيا جاءته عروض مغرية ولكنه كان حازما مع الدنيا من أجل الدعوة لدين الله فقال: "أن الخروج من مصر وترك الدعوة فيها كالتولي يوم الزحف" رحمه الله رغم أن له من الأولاد سبعة غير الزوجة ولا يملك غير راتبه البسيط ولكنه كان المحامي الأول والمدافع الأول عن الإسلام والمسلمين بمصر رغم وجود جماعات إسلامية قوية ووحده كان أمة من الناس وقد جمع الله له حب الناس من الشرق والغرب ولم يكن في وقته فضائيات مطلقا ولم يسمح له بالظهور الأعلامي مطلقا ومع ذلك نجد الآن شبابا من أندونيسيا وماليزيا والجمهوريات السوفيتية السابقة يستمتع ويتعلق بالشيخ كشك وهو لم يره مطلقا.

وأذكر أنني جمعتني الظروف برجل سافر فترة طويلة للغرب وذكر لي أنه عندما كان يقع في براثن مادية الغرب وشهواته كان يهرع إلى شريط كاسيت للشيخ كشك كي يعيده إلى الله وإلى إسلامه وإلى هويته وإلى الحق. ولم يترك الشيخ كشك رحمه الله حادثا يمر بالمسلمين إلا وجهر بالحق ولم يخش في الله لومة لائم رغم أنه لا سند له من أسباب الدنيا لا جماعة ولا أموال ولا علاقات عامة ولا "حسابات خاصة" وقد تعرض رحمه للسجن وللأذى فصبر وخرج منه أكثر قوة وعطاء للإسلام وجهرا بالحق لم يترك حاكما مستبدا إلا وأنكر عليه، وأذكر أن الرئيس السادات في أحد خطبه في مجلس الشعب قال: أن الرئيس السوداني اشتكى له من شيخ اسمه كشك ينتقده ثم قال: "يا كشك أنت حتى السودان مش سايبه طب هنا وعرفناك" نعم لم يترك الشيخ كشك الجهر بكلمة الحق في وجه الرئيس السادات حتى اعتقله في سبتمبر 1981.
كان رحمة الله عليه يحتمي بالله فيحفظه الله وأذكر أنه بعد منعه من الخطابة ذهب إليه وزير الأوقاف وطلب منه الخطابة بشروط فرفض وقال: "لا أصعد منبر رسول الله إلا بما يرضى الله وما اشترطه رسول الله أما غيره فلا"، لقد اختلف معه بعض الإسلاميين في التفصيلات ولكنهم لم يختلفوا أنه أمام الدعاة وأفضل من صعد المنبر في العقود الأخيرة وقد أحبه كل محب لله ورسوله وكرهه كل كاره لله ورسوله. وفي أيامنا هذه كثر الدعاة وسعى الكثير منهم بكل طريقة إلى أسباب الشهرة عن طريق الفضائيات وكثر المتحدثون باسم الإسلام وكثرت الفتاوى من هؤلاء عن كل شيء إلا إنكار المنكر ونقد الظالمين وفضح المستبدين وضاع في خطابهم الحديث عن موالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين وكثرت المواقف التي تسيئ للدعاة وظهر من ينتسبون للدعاة وهم أكثر الناس حاجة للدعوة إلى الحق.

ومنذ أيام استوقفني رجل مسلم في الشارع وقال لي: "أرأيت ما فعله الداعية فلان في قناة كذا؟ وهل سمعت ما قاله الشيخ فلان في قناة كذا؟ ماذا يحدث؟ المسلمون في كل مكان في فلسطين والعراق والصومال وفي كل مكان يتعرضون للمصائب وكثير من الشيوخ لا يتكلمون إنهم لا ينصحون الناس بل يفتنونهم في دينهم" فقلت له: "لقد تذكرت وأنت تحدثني الآن واقعة مهمة للشيخ كشك ففي أثناء تسويته للصفوف للصلاة قال: "الصف الثاني يستوي والصف الثالث يستوي" فجاءه رجل بعد الصلاة وقال له: "يا مولانا لماذا لم تسوي الصف الأول؟" فرد الشيخ كشك بسخريته واسقاطاته المعروفة: "يا بني الصف الأول كله مخبرين" ويبدو أن مزحة الشيخ كشك انقلبت حقيقة في شتى مناحي الحياة فالصف الأول مشبوه امتلأ بالأقزام في السياسة والأحزاب والجماعات والنخب وحتى بعض الشيوخ والدعاة لا حول ولا قوة إلا بالله والمخلصون الصادقون الأعلام يؤخرهم عمدا عن الصف الأول.

رحم الله الشيخ كشك الداعية العملاق الذي مات ساجدا لله قبل صلاة الجمعة في ديسمبر 1996م عن ثلاثة وستين عاما رحمه الله رحمة واسعة وجمعنا الله وإياه في الفردوس الأعلى.





ممدوح إسماعيل محام وكاتب
elsharia5@hotmail.com