بسم الله الرحمن الرحيم
:o
* *تبدأ رحلتنا في هذه القصة المأساويه منذ ان أصبحت أفريقيا بفضل الاستعمار، تأن من الفقر والمجاعات وتفشي الأوبئة والامراض الغريبه، ولعل مرض النوم من تلك الأمراض الفتاكه الذي يمتص كل يوم دماء و أرواح آلاف البشر من القارة المنكوبة دائماً .وياتي هذا المرض الخطير بسبب تفشي ذبابة التسي تسي في كثير من بلدان افريقيا، إذ بعد أن توقم هذا الذبابه بلدغ البشر تبدأ الأعراض غير الملحوظة والتي تنتهي بهجوم على خلايا المخ لا ينتهي إلا بموت الضحية.

* *قبل الخوض في هذه المآساه يجب علينا ذكر قول المولى سبحانه وتعالي :" ويخلق ما لا تعلمون " .. كما يقول : "إن الله لا يستحي ان يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها"،حيث تبين هاتان الآيتان مدى عظمة الله سبحانه وتعالى في الأرض وانه ليس بالسهل أن يترك أعداءه في الأرض بسلام، فهنا نرى أن الله يستطيع ببعوضة واحده أن يقضي على كل من يفسد في الأرض.. يالها من عظمة رائعة؟!!

* *البداية تظهر في أن العلماء والباحثون يفاجئون بهجوم غادر تشنه الطبيعة على بني البشر، فيلهثون منكبين على معاملهم ومختبراتهم محاولين إيجاد سلاح قوي كوسيلة دفاع .. ولكن لكل شيء ثمن، وبقدر شراسة الهجوم وقوة العدو وبقدر ما يرتفع ثمن السلاح لذا فالنجاة لا تكون من نصيب الجميع وهم كثر.

* *المكان: جمهورية الكونغو الديموقراطية وتمتد شمالاً بداية من بحيرة ألبرث في منابع النيل لمساحة شاسعة تنتهي جنوباً عند بحيرة تنجانيقا في أقصى الجنوب، وتعد الكونغو الديموقراطية أكثر مناطق المعمورة اضطراباً من حيث الفساد السياسي والمنازعات الداخلية وانحلال الطبقة الحاكمة ،فحتى عام 1997 كان الحكم في زائير (كما كان يطلق عليها في هذا الوقت) خاضعاً للزعيم الدكتاتور "موبوتو سيسيكو" والذي استغل فترة حكمة( 35 عاماً) لكنز الأموال وتحقيق مطامعه الشخصية على حساب شعبه، وفي عام 1997 تقلد الحكم الرئيس "ديزيريه كابيلا" والذي تولى هذا المنصب بمساندة كل من اوغندا وكينيا وأثيوبيا، وقد عمل على النهضة الاقتصادية بالكونغو والنهضة بشعبه على الساحة الأفريقيه، وبعد حكم هذا الرئيس عاشت الكونغو أسوأ فتراتها على الساحه الأفريقية.

* *ويتجلى هذا في ان في هذه البلدة قد ظهرت الكثير من الأمراض والأوبئة وظهر ما هو أخطر وأشد ومميت أيضاً وستتعجبون عندما تعرفون أنه مرض النوم وستتعجبون أيضاً عندما تعرفون من السبب في هذا المرض..أنها مجرد ذبابة.

* *حيث يموت الآلاف في وسط افريقيا ويموت كل يوم ضحايا لهذا المرض الأشبه بالطاعون،أعراضه في البداية غير ملحوظه وتنتهي بهجوم شرس على خلايا المخ والموت إثر آلام لا تحتمل ، ومن الممكن انقاذ المريض في بداية مراحل المرض حاله في ذلك كحال أي مريض آخر ولكن إذا اتبعنا ما هو موجود في هذه البلدة وفي وسط أفريقيا عموماً.. حيث ان:"الغني يعافي والفقير يموت" .

والآن نتوقف قليلاً في محطة الاعراض ألا وهي:
1- حيث تحدث تغيرات حادة في المزاج وفي الشخصية من الناحية العصبية والنفسية.
2- الهلوسة وصعوبة الإدراك والتعامل مع الأخرين.
3- خلل تام في النظام الفسيولوجي الخاص بدورة النوم والاستيقاظ( حيث لا يحصل المريض على فترات نوم كافية، فيسقط في نوم عميق لمدد قليلة على فترات موزعه على مدى 24 ساعه).
4- غيبوبة ثم الوفاه.

* *ويقترن مع هذه الأعراض: العياء الشديد بسبب مداهمة المرض لخلايا المخ، مما يسبب تغيرات صحيحة وحادة في شخصية المريض والتي تجعله شديد العنف ومصحوبه بهلوسه يدخل بعدها المريض في حالة غيبوبة لا يستيقظ منها حتى تعاجله المنيه.

* *وكما نقول أن مشوار الألف ميل يبدأ بخطوه ..فإن مشوار هذا المرض المرعب يبدأ بلدغة مؤلمة من ذبابة التسي تسي الحاملة للمرض، ومع هذه اللدغة ينتقل الطفيل من الذبابة إلي جسم الضحية ويسمى هذا الطفيل "تريبانوزوم"..والذي يتكاثر بسرعة مذهلة في الدم لينتهي به المطاف إلى الغشاء الرقيق المغلف للمخ.

* *ومسقط رأس هذا المرض في أفريقيا حيث ينقسم هذا الطفيب إلى نوعين كل منهما ينتشر في مكان مختلف .. فالنوع الأول اسمه العلمي " ترايبانوزوميازيس بروكاي جامبينزي" وموطنه غرب ووسط أفريقيا، وهذا النوع يسبب مرض النوم بشكل حاد وقد يمتد المرض في هذه الحالة لسنوات طويله حتى يصل إلى مراحلة المتأخره. والنوع الثاني اسمه العلمي "ترايبانوزوم سيازيس بروكاي رودويزنسي"، وموطنه شرق وجنوب أفريقيا ويسبب مرض النوم بشكل مزمن ويوؤدي للوفاة في خلال أسابيع، والأعراض الأولى لهذين النوعين من الطفيل أو المرحلة الأوالى تبدأ بانتفاخ في غدد الرقبة وينشأ ذلكعن محاولة جهاز مناعة الجسم محاربة الطفيل الذي يتكاثر بمعدل سريع جداً في دم المريض، ثم ينتقل المرض إلى المرحلة التالية ليبدأ المريض رحلة الوفاة قصرت ام طالت حيث يصل الطفيل إلى الغلاف المحيط بالمخ ليثير الشغب بالخلايا العصبية مما يؤدي إلى خلل عسبي للمريض وفي هذة المرحلة يكون المريض عنيف بشكل مدمر لنفسه وللآخرين .

* *وطبقاً للاحصاءات تعتبر منطقة الكونغو الديموقراطيه أكثر المناطق الافريقية الموبوءة بهذا المرض حيث تضم 70% من حالات الإصابة ويليها أنجولا ثم جنوب السودان، وإذا نظرنا للبنية الأساسية لهذه الدول سنجدها قد مزقت نتيجة للمنازعات الداخلية والحروب المدنية طوال السنوات الماضية.

* *وإذا عدنا لتاريخ هذا الوباء فسنندهش حين نعلم أنه قد تم بالفعل القضاء عليه عام 1906 ويرجع الفضل في ذلك إلى خطة مكثفة من فرق الأطباء الذين قاموا بالفحض والتشخيص السريع للمرضى ، لكنه اليوم عاد لينتقم ..واليوم على إثر التأثيرات السلبية للحروب والانشقاقات الداخلية، وبسبب انعدام وجود وعي صحي وتدهور في الحالة الاقتصادية.. حيث لا توجد أي احصاءات طبية تدلل على حجم الاصابة بهذا المرض أو تطورها حتى وقتنا الحالي.وفي هذا الصدد يقول د/جان جانين من منظمة الصحة العالمية:" هناك حوالي 60 مليون مواطن افريقي معرضين للاصابة بهذا المرض، ولكن الحالات المعروفه لدينا يصل عددها سنوياً إلى حوالي 45 ألف فقط "
والواقع ان هناك ما يقرب من نصف مليون مواطن أفريقي مصابون بهذا المرض وكثيرون غيرهم يحملون هذه القنبلة الموقوته، وفي عام 1968 قامت جمعية "الترايبانوزوميازيس" في جمهورية الكونغو باستكمال الجهود التي كانت قد بذلتها الحكومة المستعمرة الموجودة من قبل ، واليوم تقوم فرق المساعدات الطبية المتنقله التابعة لمنظمةالصحة"who ".. وجمعية "الترايبانوزوميازيس" وغيرها من الجمعيات الخيرية للصحة بالتنقل في أرجاء البلاد لمحاصرة هذا المرض قدر الإمكان .

* *وفي بعض الاحيان، تضطرالفرق الطبية المتخصصة إلى حمل معداتهم والتنقل مترجلين أي سيراً على الأقدام حيث أن معظم المناطق الموبوءة لا تصلها أي سبل مواصلات، وعدد فرق العمل 35 فريقاً لذا فإن ماتم التوصل إليه من اجمالي عدد المصابين حوالي 7% فقط وذلك أشبه بوضع شريط طبي لاصق لتضميد جرح عميق في شريان، ولكن وللأسف فهذا فقط هو قدر المساعدة الضي يناله مواطني الكونغو.

* *وإذا وجد الأطباء في التحاليل والفحوص ما يدلل على وجود المرض تكون الخطوة التالية تحليل عينة من سائل النخاع الشوكي ويحتم ذلك اجراء عملية جراحية غاية في الخطورة،حيث يتم ادخال حقنه في سلسلة العمود الفقري لأخذ عينة من سائل النخاع الشوكي تكمن في لحظة ادخال الحقنة فإن أي خطأ يؤدي بالمريض إلى الشلل، وعن طريق تحليل هذه العينة يمكن تحديد إذا ما كان الطفيل قد قام بالفعل بغزو خلايا المخ أم لا.

* *وها قد وصلنا إلى محطتنا التالية وهي" الدواء فيه سم القاتل"..أما عن العقار suramin فقد توقفت الشركة المنتجة وهي شركة باير العالمية للأدوية عن انتاجه عدة مرات وفي كل مرة تقوم منظمات المعونى الدولية بالتوسل للشركة لاعادة النظر في الامر،وتقوم الان شركة باير وانتاج العقار بقدر معين على أساس أن يتم انتاج هذا الكم المحدد كل عام.

* *وكما هو الحال بالنسبة لغالبية العقاقير، فالعقار يتخلل الغشاء المغلف للمخ وعلى هذه ففي حالة موصول الطفيل في سباقه إلى خلايا المخ أولاً ، فهناك عقار واحد فقط غاية في القوة والتخصص في هذه الحالة، ولمن يحالفه الحظ وينال أي قدر من العلاج.. هذه العقار هوmelar soprol وبالنسبة لهذا الدواء سواء استخدمه المريض أم لا فسو يشعر باللآلام المبرحة والعذاب والشقاء .

* *انتج عقار melar sprol* منذ 50 عاماً وهو سام للغاية وقوى لدرجة انه يجب أن يتم حقنه في حقنة زجاجية لأنه يذيب مادة البلاستيك وهو محلول أرستيك مذاب في جليكول البروبيلين وله آثار جانبية ضاره للغاية على5-10% من المرض ومنهم 80% سينتهي بهم الأمر بالوفاه بسبب تعاطيهم لهذا العقار.

* *ومن المستحيل معرفة من مِن المرضى سوف يتفاعل مع العقار بشكل سيء حيث يقال عنه أنه كمن يتناول حقنة من الفلفل الحار مباشرة في القلب. وعن هذا النوع من العلاج يقول د/جانين:"إن هذا العقار مثل ورقة اليانصيب لا يمكن معرفة من سوف يؤثر فيه بالسلب ومن يؤثر فيه بالإيجاب .

* *ويمتد موطن حياة ذبابة التسي تسي إلى 36 دولة افريقية والدورة الحياتية لهذه الذبابة قصيرة جداً فهي تعيش 100 يوم فقط وتنتج كل أم من 8:6 من سلالتها والغريب عن هذه المخلوقات انها عند خروجها من الشرنقة تكون قد وصلت إلى مرحلة متقدمة من النمو باحثة عن غذائها من الدماء، ولكن قبل كل شيء تتجه لأحد الذكور للجماع والتكاثر، ومرحلة الجماع من المراحل الأساسية والهامة مع غريزتها في تلك الذبابة حيث يقوم الذكر بافراز سائل الذكورة والذي تحملة الأنثى لمدد طويلة أو تقوم هي بعد ذلك بتخصيب نفسها بنفسها مستخدمه هذا السائل كل 10 أيام، أي انها تنتج جيلاً جديداً كل عشرة أيام ..ياللكارثة!! وتبحث ذبابة التسي تسي عن ضحية جديدة كل 4:3 أيام ولا تفشل في ذلك بفضل قرون الاستشعار شديدة الحساسية.

* *وهنا نصل إل محطتنا الاخيرة وهي بلدنا الأم "مصر" ولكن هل سنقوم فيها برحلة مأساوية مثلا السابقة -الله أعلم- ولنعلم أنه هذا عذاب الله في الأرض ووعيد لكل من يعرض عن عبادته .
* * * * *