حكى شخص أنه عاش في المدينة التي درس فيها الشيخ و ما أن حضر الشيخ حتى اجتمع أكثر الطلاب المسلمين في تلك المدينة و كان الطلاب قبل مجيئه في غفلة و اعراض عن دينهم فلم يكونوا يصلوا الجمعة على الأقل و قليل منهم من يصلي في بيته فجمعهم الشيخ على مأدبة الغداء و وعظهم و حثهم على المحافظة على الصلوات الخمسة في جماعة و أوصاهم بالمحافظة على صلاة الجمعة فاعتذروا بعدم وجود من يخطب بهم خطبة الجمعة فتكفل هو بالقيام بالخطبة و الصلاة ابتغاء ثواب الله تعالى
و بدأ الطلاب في الجامعة يصلون بشكل دائم بل لقد استأجروا مصلى ليصلوا فيه الصلوات الخمس كل يوم و بدأ كثير منهم يعود لله تعلىو يقلع عما كان فيه من الضلال
و بفضل الله و توفيقه ثم بجهود هذا الشيخ تشكلت حركة اسلامية لطلاب الجامعة أخذت تدعو الى الله تعالى في وسط المجتمع الكافر و هدى الله على يديها الكثير من الشباب

و كان من عادة الشيخ "عبد الرحمن" في كل رمضان أن يدعو كل الطلبة المسلمين في الجامعة في أول يوم من رمضان لتناول طعام الأفطار عنده فيجتمع الطلاب عنده و توزع التمرات عليهم و بعدها يقيمون صلاة المغرب و بعد ذلك يتناولون الافطار

و ذات مرة دعاه أحد العرب في الجامعة لتناول طعام الافطار عنده و كان ذلك الشاب كثير المزاح و كان فاسق قليل التمسك بدينه
و قبل الشيخ الدعوة بالترحيب و هو لا يدري ما الذي ينتظره
و حان موعد الافطار و أفطر الشيخ على تمرات ثم ناوله صاحب الدار كأسا من العصير و أصر عليه أن يشربه فشرب الشيخ عدة رشفات و لكنه رده عن فمه لما أحس أن فيه طعم غريب و قال لصاحب الدار:
أحس أن في هذا العصير طعم غريب فرد صاحب الدار:
نعم فيه طعم غريب لأن الشركة المنتجة لهذا العصير أعلنت أنها تجرب مادة جديدة
و صدق الشيخ كلامه فأكمل شرب كأسه ثم قام لصلاة المغرب و صلى معه بعض الحاضرين بينما كان الأخرون في شغل لاعداد المائدة و لما انتهى الشيخ من صلاته صب له صاحب الدار كوب من نفس العصير فشربه الشيخ و لما انتهى من شربه قال له صاحب الدار:
أهلا بك يا شيخ لقد شاركتنا الافطار على الخمر لقد وضعت لك بعض الويسكي في كأسك و لذا أحسست ببعض التغيير في طعم العصير
و أخذ صاحب الدار يضحك و شاركه بعض الحاضرين الضحك بينما عقدت الدهشة ألسنة الباقين و هنا أخذ الشيخ يرتجف و أخذت أوصاله ترتعد و ما كان منه الا أن وضع اصبعه في فمه و تقيأ كل ما أكله على السجادة في وسط الغرفة ثم أجهش بالبكاء
لقد كان يبكي بحرقة و يقول لذلك الشاب:
الا تخاف الله؟أنا صائم و في رمضان و تدعوني الى بيتك لتضحك علي؟أعلى الخمر أفطر؟! أما تخاف الله جئتك ضيفا فهل ما فعلته معي من أصول الضيافة العربية فضلا عن الاسلامية؟لقد ضيعتم فلسطين بهذه الأخلاق
سكت الشيخ ثم تابع قائلا:
أنا أشهد أن الغربيين أفضل منك أيها العربي أنهم يحذرونني من أي شئ يحتوي على الخمرة أو لحم الخنزير بينما أنت ايها المسلم اسما فقط تخدعني و تضع لي الخمر سرا في كوبي و أين تفعل ذلك؟في بيتك و أمام الناس ليضحكوا مني عليك من الله ما تستحق
و توجهت أنظار الحاضرين الى صاحب الدار لقد كانت تلك الكلمات الصادرة عن الشيخ كأنها رصاصات موجهة اليه فلم يماك الا أن قال بنبرة منكسرة:
أرجوك سامحني أنا لم أقصد اهانتك لقد كانت مجرد فكرة شيطانية انك تغلم مقدار حبي و احترامي لك
و ساد صمت مطبق لفترة و قطعه صوت صاحب الدار و هو يقول:
أرجوك يا شيخ اجلس على كرسيك و سأنظف السجادة بنفسي و أنت تناول بقية فطورك أرجوك كف عن البكاء أنا المذنب و ذنبي كبير سامحني
فرد الشيخ :كيف أسامح من ارتكب منكر و سقاني الخمر و هو يعلم أنها حرام
و تفاجأ الحاضرين بالشيخ و هو يسجد مناجيا ربه:
رباه انك تعلم أني لم أشرب حرام طيلة حياتي رباه انك تعلم أنني قضيت في هذا البلد خمس سنوات لم أقرب فيها لحما لأن هناك شبهة في ذبحه رباه انك تعلم أن ما شربته اليوم لم يكن بعلم مني اللهم اغفر لي اللهم لا تجعله نارا في جوفي
و هنا نهض أحد الطلبة الانجليزو اسمه جيمس و قال:
يا شيخ أنا أشهد أن لا اله الا الله و أن محمدا رسول الله
و علا الذهول وجوه الحاضرين جميعا و أكمل جيمس كلامه قائلا:
لقد أسلمت على يديك يا شيخ في هذه اللحظة أنا جيمس أخوك في الاسلام فسمني بأي اسم اسلامي أنا أريد أن أصلي معك يا شيخ
و انفجر جيمس بالبكاء و بكى الشيخ و جميع الحاضرين حتى صاحب الدار
و لما هدأ جيمس قال:
أيها الاخوة لقد كنتم في شغل عني و أنتم تتناقشون لقد دعيت لأتناول معكم الافطار أو اخر غداء لي و حين جئت كنت أفكر كيف أن الشيخ شخص من ماليزيا و هي بعيدة آلاف الأميال عن مكة التي ولد فيها الرسول و مع كونه في بلد غريب كافر يختلف فيه الجو عن ماليزيا فهو صائم فسألت نفسي لماذا يصوم الشيخ و يمتنع عن الطعام و الشراب؟ و زاد تفكيري حين رأيت الشيخ يتحرى تمرات ليفطر عليها هنا في أقصى الأرض حيث يقل التمر يتحراها لا لشئ الا أن محمد صلى الله عليه و سلم كان يفطر عليها ثم رأيت الشيخ يترك الشراب و الطعام و هو جائع ليصلي لله بخشوع في حين ترك معظم الحاضرين الصلاة و قصروا فيها ثم رأيته يشرب كأسا و مع هذا فهو يخاف الله و يخشاه بعد أن علم أن فيها خمرا و الأعجب أنه وضع اصبعه في فمه ليتقيأ الشراب الذي به خمر غير مبال أنه يتقيأ أمام الناس و على سجادة فاخرة نظيفة
لقد كان تصرفه ردة فعل حقيقية انه حين علم أنه شرب خمر تحرك كالملدوغ وقف شعره و سال أنفه و دمعت عينه أي درجة تلك التي يصل الانسان اليها حين ينسى من حوله و لا يتذكر الا ربه لقد قرأت كثيرا عن الاسلام و سمعت منكم الكثير منذ اختلطت بكم كنت أراقب المسلم المتمسك بدينه و كنت أرى من لا يتمسك بدينه كأي انسان عادي لا فرق بينه و بين أي رجل من بلادنا الكافرة و لكن للحقيقة أقول أن للمتمسك بدينه شخصية خاصة به و طبع مميز و اليوم لم أتمالك نفسي لقد رأيت معنى العبودية و الذل لله عند المسلمين و رأيت كيف يكون حب محمد عند المسلمين الصادقين فأردت أن أشاركهم هذا الحب و هذا الدين
سكت جيمس قليلا ثم قال:أرجوكم علموني الاسلام و الصلاة أنا منذ اليوم أخوكم الحمد لله الذي هداني لهذا الدين العظيم
لم يصدق الحاضرون ما سمعوه و ساد الصمت الذي قطعه الشيخ حين قام و قبل جيمس و ردد الشهادة ببطء و رددها جيمس خلفه و أصبح اسمه منذ هذا اليوم محمد جيمس
و قال الشيخ لصاحب الدار:
الحمد لله الذي استجاب لدعائي و هدى مسلم على يدي و لئن يهدي الله بك رجلا واحدا خير من الدنيا و ما فيهاسامحك الله يا ولدي و ليغفر الله لك ما جنيت
و هنا أغرورقت عينا صاحب الدار بالدموع و قال:
أعدك يا شيخ أنني لن أقطع الصلاة و لن أضيع فريضة و سأحج لعل الله يغفر لي

و شهد بعض الذين حضروا القصة أنهم التقوا الشاب صاحب المأدبة في الحج و كله ندم على ما بدر منه