فى نقطة تحول تاريخية اختارت الولايات المتحده باراك اوباما ليصبح أول رئيس أمريكي من اصل أفريقي وليضع بلاده على اعتاب عهد جديد ويبدأ فصل جديد من حكم يسار الوسط ينهي عهد اليمينيين المحافظين الذى بدأ مع حكم الرئيس الاسبق رونالد ريجان.

وفى ختام اطول حمله انتخابات امريكية واكثرها اثارة وتكلفة ، حقق اوباما /الديمقراطي/ البالغ من العمر 47 عاما فوزا يقارن بفوز فرانكلين روزفيلت عام 1932 ، وجون كيندي عام 1960 ، وبيل كلينتون عام 1992 ، وانتزع ولايه اوهايو التى لم يفز رئيس جمهوري وصل للبيت الابيض بالرئاسة بدونها.. واصبح بذلك الرئيس الامريكي الرابع والاربعين وصعد معه حزبه الديمقراطى الذى اصبح يسيطر على مجلسى النواب والشيوخ معا.

فاز الرئيس المنتخب بنسبة 3ر51 فى المائة من اصوات الناخبين و 338 من اصوات المجمع الانتخابي ، بزيادة كبيرة عن العدد الذى كان متوقعا ، و 27 ولايه امريكية مقابل 5ر47 فى المائة من الاصوات لمنافسه الجمهوري و 17 ولايه و 129 صوتا من المجمع الانتخابي.



وفي اول كلمه له بعد انتصاره قال ان هذا الفوز ليس انتصارا فى حد ذاته بل بداية طريق التغيير.

ودعا الشعب الامريكي للعمل يدا بيد ونبذ الحزبية داعيا لروح وطنية جديدة تفتح ابواب الفرصة وتعيد الامل للبلاد.

واضاف اوباما ان التحديات التى تواجهها الولايات المتحدة لن تحل قريبا وانما تحتاج لصبر وعمل شاق على مدي فترة ليست بالقصيرة وذلك فى اشارة لعزمه السعي لفترة رئاسة ثانية .

وقال ان قوة الولايات المتحده لا تنبع من قوة سلاحها بل من قوة قيمها وروحها. ووعد اوباما الشعب الامريكي بمكاشفته بالحقائق وعدم اخفاء شىء عنه.

وكانت رسالته الاولي فى تلك الكلمة ان هذه الانتخابات اثبتت وحدة الولايات المتحدة كأمة واحدة رغم تعدد الاعراق بها. واكدت ديمقراطيتها التى تجعل كل شئ ممكنا.

وقد اختارت الولايات المتحدة باراك اوباما رئيسا لها بعد ان اختاره العالم حيث اظهرت استطلاعات الرأي تفوقه على ماكين بفوارق هائلة فى ارجاء المعمورة من مصر الى بولندا الى كندا والبرازيل وبريطانيا وفرنسا ناهيك عن كينيا مسقط رأس والده المسلم الذى كانت ديانته سببا فى تعرض اوباما لهجمات شرسة من خصومه.

وقد لعب الاعلام الامريكي دورا حاسما فى انتخابات 2008 حيث كان اول من اختار نجم الحزب الديمقراطي البازغ وانحاز له فى وقت مبكر للغاية.

فقد اعلنت 250 صحيفة امريكية تأييدها لباراك اوباما منها صحيفة /شيكاغو تريبيون/ التى كانت تؤيد الجمهوريين بشكل تقليدي .وكانت قصص الاعلام التى تحابي اوباما تزيد بنسبة 250 فى المائة عن القصص التى تحابي منافسه ماكين .

فيما تحاشي الاعلام نشر مايسئ لاوباما.

وربما كانت رحلة كفاح اوباما فى حملة الانتخابات الرئاسية الشرسة من أهم اسباب اعجاب الاعلام به وتأييده له.

فقد بدأت تلك الحملة وهو فى وضع لا يبشر بفوزه لكنه احتفظ بحلمه وأدار باقتدار حملة انتخابية تعد الاكثر كفاءة وتنظيما فى تاريخ السياسة الامريكية فيما برهن على صلابته وقدرته على مواجهة التحديات ليجتذب بذلك ايضا تأييد مزيد من قطاعات الشعب الامريكى .

واستغل اوباما الاعلام الجديد مثل الانترنت ومواقع مثل فيس بوك وماي سبيس للوصول الى الشباب الذين اقبلوا على الادلاء بأصواتهم لأول مرة وباعداد كبيرة .

كما نجح اوباما فى جذب اصوات النساء ، والامريكيين من اصل لاتيني الذين كانوا يؤيدون الحزب الجمهوري بشكل تقليدي لكنهم تحولوا عنه بسبب خيبة املهم فيه.

وبلغة الارقام حقق اوباما نجاحا قياسيا فى جمع التبرعات لحملته بجمعه لستمائه واربعين مليون دولار مما سمح له بتوسيع نطاق حملته بصورة اعطته ميزة نسبية على جون ماكين الذى لم يتمكن من انفاق مبلغ مماثل او حتى قريب منه.

ولأول مرة منذ عهد فرانكلين روزفيلت لن يتزعم الرئيس المنتخب ولايات متحدة تنعم بالرخاء وآفاق السلام بل سيتعين عليه أن يحكم دولة مكبلة باعباء حربين فى العراق وافغانستان، وازمة اقتصادية طاحنه تعصف ببلاده وبالعالم اجمع وتؤذن بركود عميق سيعصف بالوظائف والمراكز المالية للمؤسسات الاقتصادية ، على حد قول الان جرينسبان رئيس بنك الاحتياطى الفيدرالى السابق ،فيما يحد من خياراته.

ويواجه اوباما ايضا تحديات قويه تتمثل فى تنامي قوة الصين التى اتهمها بممارسات تجارية غير عادلة ، وكذلك التحدي الروسي ، والتهديد الايراني ، والضعف الباكستاني المتزايد ، فضلا عن أزمة الطاقة ، والسخط والتشكيك اللذين يغلبان على الرأي العام فى الداخل ، واضافة الى ذلك يبرز احتمال قيام الرئيس الحالى جورج بوش بعملية تسبق انتهاء فترة رئاسته ضد ايران أو سوريا ليورط الرئيس الجديد فى مستنقع جديد، قد لا يتمكن من التخلص منه سريعا ،مما لايترك له مجالا واسعا لتنفيذ المشروعات التى وردت فى برنامجه الانتخابي بالسرعة المطلوبة .

وبذلك فإن اوباما سيتولي الرئاسة فى اسوأ بيئة يتم فيها تغيير إدارة امريكية منذ تولي ابراهام لينكولن السلطة في بلد مقسمة..لكن أوباما الهادئ الرصين استعد للرئاسة جيدا بمنطق أن الاستعداد الجيد يمثل نصف الانتصار، مستعينا بفريق اعد خطة عمل بارعة لإدارة جديدة فيما يعكس أحد الصفات المثيرة للاعجاب في الرئيس الجديد وهي أن النجاح لا يباغته.

ومن المعروف أن أوباما يعارض حرب العراق بقوة، وقد أعلن انه سيعمل علي سحب القوات الأمريكية منها، بينما يؤيد تعزيز تلك القوات في أفغانستان باعتبارها محور الحرب علي الإرهاب.

لكنه لا يستبعد التحاور مع عناصر معتدلة هناك حيث يري مايكل اوهانن الباحث بمعهد بروكنجز انه يمكن أن يحقق تحسنا في الوضع هناك لكن ذلك لن يحدث قبل مرور عامين من رئاسته علي الأقل.

كما انه قد يمكنه، علي حد ذكر اوهانن، أن يجد حلفاء لأمريكا في صفوف طالبان التي كانت حليفة للولايات المتحدة في بداية ظهورها.

وبالنسبة للقضية الفلسطينية فقد أكد باراك أوباما ،شأنه فى ذلك شأن كل الرؤساء الامريكيين الذين سبقوه ،الالتزام الأمريكي حيال إسرائيل وان كان يري أن الاستيطان في الأراضي الفلسطينية يمثل عقبة في طريق السلام.

ويري كذلك وجوب دعم المعتدلين الفلسطينيين وعزل حماس وحزب الله إن لم يتخليا عن الإرهاب. لكن د.مايكل اوهانن يري انه قد يكون مرنا بشان الشرق الأوسط لأنه لا ينهج الطرق التقليدية .

لكن قدرته علي الضغط علي إسرائيل قد تكون محل شك في ضوء احتمال سعيه لفترة رئاسة ثانية.



ويبدي أوباما تأييده لفتح حوار مع إيران دون شروط مسبقة، وقد عرض تقديم حوافز لها إذا التزمت بالشروط الأمريكية .

كما أعرب عن استعداده لعقد محادثات مع زعماء الدول المعادية لبلاده مثل كوريا الشمالية وسوريا وفنزويلا فى محاولة لتذويب الخلافات معهم .
وقد حقق باراك أوباما بفوزه بالرئاسة الأمريكية نبوءة الكاتب ايرفنح والاس في روايته التي صدرت عام 1964 تحت عنوان "الرجل" ، في وقت كانت الولايات المتحدة الأمريكية ترزح فيه تحت وطأة التمييز العنصري، وتم تحويلها لفيلم عام 1972.

وتحكي تلك الرواية قصة وصول سيناتور من اصل أفريقي من الغرب الأوسط ، مثل أوباما، إلى مقعد الرئيس الأمريكي بعد سلسلة من الكوارث قتل فيها الرئيس الأمريكي ورئيس مجلس النواب في حادث.

وحال مرض نائب الرئيس الشديد دون إمكانية توليه الرئاسة ليصل المنصب للسناتور الأسود الذى كان يتولى منصب الرئيس المؤقت لمجلس الشيوخ .

وقد كان هذا الخيال الروائي مستبعدا وغريبا في ذلك الوقت لكنه تحول إلى واقع بعد 44 عاما باختيار أوباما ليكون الرئيس الرابع والأربعين للبلاد، ولكن عن طريق الانتخاب وليس الصدفة والكوارث كما ورد في رواية "الرجل".

ومن المفارقات أن أوباما أيضا سناتور اسود من الغرب الأوسط شانه شان بطل الرواية.



وقد يتمكن هذا الرئيس الذي ينحدر من أصول أفريقية من اصلاح الضرر الذي ألحقه اليمين المسيحي المحافظ بصورة الولايات المتحدة في العالم ، الذي يعلق عليه آمالا كبيرة، والذي لو تسني له انتخابه لكان فوز أوباما ساحقا ، يفوق بفارق كبير ما حصل عليه في هذه الانتخابات.

المصدر: وكالة انباء الشرق الاوسط.


منقوووول من موقع مصراوى