دفعتني للكتابة اليك رسالة يوم الخلاص التي يشكو فيها صاحبها من زوجته الجافة التي لم يشعر معها بالسعادة يوما ولا يربطه بها الا حبه لاطفاله وخوفه من بعض الشيكات التي تحملها ضده وعزمه على الزواج من اخرى ذات يوم يسميه بيوم الخلاص وانا طبيب في الاربعينات من العمر وقد اعطاني الله من فضله سماحة في الخلق ولينا في الطبع وفتح لي ابواب رزقة وحب الناس والحمد لله وقد نشأت في اسرة متدينة فقيرة تفتح ابوابها لكل من تعرفه بالرغم من فقرها الشديد حيث كان منزلنا يمتلىء دائما بالضيوف الذين يستعذبون الجلوس مع ابي وكنت ابنا مطيعا متفوقا ودائما من الاوائل ومحل افتخار ابي امام اصدقائه وكانت مشكلتي الاساسية في هذا الوقت هي عدم قدرة ابي على توفير نفقات الحياة الاساسية لنا ومنها نفقات دراستي بالثانوي والجامعة فعملت خلال دراستي لاوفر مصاريف الكتب واشترى ملابس لائقة اذهب بها الى الجامعة وفي خضم هذا الكفاح كانت لي اوقاتي القصيرة التي احلم فيها بان تنجلي هذه الظروف ذات يوم وتنتهي المعاناة مع انتهاء دراستي وعملي كطبيب وكان هذا الامل هو ما يعينني على ان اتحمل هذه الظروف القاسية التي لم يكن لي يد فيها لكنه كثيرا ما كان ينتابني الاحساس بأنني مقهور بين ساعات عمل طويلة وساعات مذاكرة طويلة وفي هذه الاثناء تعرفت على زميلة لي ظروفها مقاربة من ظروفي ووجد كل منا في الاخر ملاذا له او ربما بصيص امل وسط هذه الحياة المظلمة وكانت علاقتنا علاقة محترمة فتعاهدنا على الزواج بعد التخرج وعلى ان نعمل ونغير ظروفنا الى الافضل باذن الله لكننا بعد ان تخرجنا اكتفشنا ان احلامنا مستحيلة التحقيق لاننا لانملك شيئا سوى المرتب ووراء كل منا اسرة هو الامل الوحيد لها وهكذا دفنت املى لتحقيق امل اسرتي وكذلك فعلت زميلتي واتفقنا على ان نظل اصدقاء وتزوجت هي من اول شخص مناسب وباركت زواجها وبداخلي بركان لايقدر على الانفجار ولازمني احساس القهر مرة ثانية ودفنت احزاني بداخلي وانغمست في عملي وتحسنت احوالى المالية بعض الشيء فاقترحت على امى الزواج واختار لي اهلي فتاة من اسرة طيبة حاصلة على شهادة متوسطة ووافقت على اختيار اسرتي حيث لم يكن هناك سبب للرفض وتمت خطبتي لهذه الفتاة ورأيتها خلال الخطبة مرات قليلة وكانت لاتتحدث كثيرا وكنت احيانا استعيد صورة فتاتي الجميلة التي تجيد الكلام فاتذكر انها قد اصبحت زوجة واما ولا يجوز لي ان افكر فيها وتزوجت من اختارها لي اهلي وبداخلي نفس الاحساس بالقهر من انني لم اختر شريكة حياتي بنفسي واقبلت على الحياة مع زوجتي لكن كان هناك شيء بيننا دائما فهي تذكرني على الدوام بأنها ابنة عائلة كبيرة وحتى دون ان تذكرني بذلك كنت اشعر بأنها تتميز علي بهذه الميزة التي لا يد لي فيها وبالرغم من انها كانت اقل في الجمال والثقافة واللباقة وكل شيء من فتاتي السابقة الفقيرة، ومضت الايام والسنون انقطع خلالها اهلي عن زيارتي لانها تتعالى عليهم ولاترحب بوجودهم ولم افكر في الانفصال عنها لاني كنت قد رزقت بأطفال ولم يكن امامي الا الصبر على هذا البلاء واستبدلت بحب فتاتي الاولى حب ابنائي وصاروا كل شيء في حياتي وتوالت الايام وازدادت الهوة بينى وبين زوجتي فحياتها محدودة بتحضير الطعام واعمال المنزل ولاتعرف عن الزواج وعن حق الزواج اكثر من ذلك وزاد داخلي الاحساس بالقهر وعدم الرغبة في الحياة معها فاصبحت اقضي معظم وقتي في عملي وانتهز الفرص لكي ازور اهلي واصل رحمهم.

وفي ذروة هذا القهر شاءت الاقدار ان التقي بطبيبة صغيرة مطلقة شعرت بارتياح تجاهها وان لها نفس شخصية زميلتي القديمة وانني قد وجدت فيها كل ما تفتقر اليه زوجتي من حب الناس والالفة بهم والصدق في القول والرقة في الطبع ووجدتني انجذب اليها واشتعل في داخلي امل كذلك الذي كنت اشعر به خلال دراستي بالجامعة وبالرغم من ذلك فلقد كتمت مشاعري لفترة طويلة حتى صارت هذه الزميلة محور حياتي وبصيص الامل فيها وبغير ان اجرؤ حتى على ان اعترف لنفسي بأني احبها حبا شديدا وعلى ثقة من مشاعرها تجاهي بالرغم من انها لم تنطق بها ابدا لم استطع ان اواجه المجتمع برغبتي في الزواج منها او برغبتي وحقي في الحياة، ولم استطع ان اواجه ابنائي الذين قد اعطيتهم كل حياتي مع ان لى الحق في الحياة انا ايضا.

واني اكتب اليك الان بعد ان اتخذت قراري من شهور بان اعيش لابنائي وان انسى امر هذه السيدة لكني احترق في داخلي ياسيدي وقد فقدت الرغبة في الحياة وصرت اتمنى الموت واريدك ان تقول لي ما يعينني على ما اتخذته من قرار وان تخبرني هل يجب ان يموت الاباء من اجل ابنائهم وهل يجب ان اضحى دائما من اجل سعادة الاخرين انني انظر الى حالي وقد اجتمعت لي اسباب السعادة من مركز مرموق ومال وسمعة طيبة وابناء متفوقين وارى انني قد ابتليت في شريكة عمري واتساءل هل سيأتي اليوم الذي سيفارقني هذا الاحساس بالقهر؟ وهل يمكن ان تعود لي رغبتي في الحياة؟ ومتى؟ انني اريد ان تقويني كلماتك وتثبتني ماذا تقول لي؟

ولكاتب هذه الرسالة اقول: لو تأملت قصتك مع الحياة بعين محايدة وبعيدا عن ميل الانسان الغريزي للرثاء لنفسه ولوم الظروف المحيطة به واتهامها بحرمانه من السعادة المرجوة لعرفت انك قد اضعت الحب الحقيقي من بين يديك بعد التخرج والعمل بسبب اساسي هو انك قد سارعت بالاستسلام لظروفك الاجتماعية والعائلية بلا مقاومة وكذلك فعلت زميلتك مما يعني ان مشكلتكما الحقيقية لم تكن في ظروفكما الاجتماعية غير المواتية وانما كانت اساسا في الانهزامية وخور الارادة وضعف الهامةعن الكفاح والدفاع عن الحب والاستمساك به والصبر على الظروف الى ان تتغير للافضل والحب الحقيقي اثمن من ان يضحي به طرفاه او يتنازلا عنه بمثل هذه السهولة كما ان ظروف كل منكما لم تكن مستعصية على الكفاح لتغييرها الى الافضل بشيء من الصبر ومغالبة الاوضاع بدليل انك قد اصبحت خلال بضع سنوات اخرى قادرا على الزواج دون ان تتقاعس عن اداء واجبك الانساني تجاه اسرتك ولانك تعرف ذلك في اعماقك وتشعر بلوم النفس على التفريط في الحب وعدم الكفاح للحفاظ عليه فانك تعاني الاحساس بالقهر لانك لم تختر زوجتك وانم اختارتها لك اسرتك اذ ما كان اسهل عليك من ان تعترض على الاختيار او ترفضه او تستبدله بغيره وانما لانك قد ادركت انه كان في مقدورك لو كنت قد تحليت بالصبر وقوة الارادة وعزيمة الكفاح ان تفوز بالحب والسعادة والا تنهزم سريعا امام الظروف غير المواتية.

هذا هو المبرر الحقيقي لما تشعر به من قهر داخلي وليس اي شيء اخر ولانك كنت تنطوي على هذه المشاعر المتضاربة فإنك قد بدأت حياتك الزوجية ومرآتك الداخلية مشوشة بلوم النفس على التفريط في الحب وعلى انهزاميتها امام الظروف وبالتشكك في قدرة الزوجة التي سمحت بها الظروف العائلية اخيرا على تعويض ضياع الحب وادى تفاعل كل تلك المشاعر الى المسارعة باعفاء النفس من المسؤولية عن عدم التجاوب مع الزوجة بنسبة اللوم اليها وتحميلها المسؤولية ولانها تكرس نفسها لابنائها وبيتها ولاتعرف من الزواج سوى ذلك او بأنها تعتز باوضاعها العائلية التي تفضل اوضاعك الاسرية.

والمؤكد انك قد ظلمت نفسك فظلمت زوجتك بارتباطك بها وانت غير مهيأ لاعتبارها من البداية شخصية مختلفة عن ففاتك السابقة ولها وسائلها المختلفة للتعبير عن المشاعر تجاه شريك الحياة.. وغير مسؤولة كذلك عن الظروف التي دفعتك للتضحية بالحب.

فاذا كنت تسألني عن رأيي فيما اتخذته من قرار بمغالبة ضعفك الداخلي الطارىء تجاه زميلتك المطلقة.. وعجزك عن مواجهة تبعات اختيارك العاطفي لها وتراجعك عنه تكريسا لاسرتك وابنائك فاني اقول لك انه ليس من العدل ان يدفع غيرنا فواتير عجزنا السابق عن مغالبة ظروفنا.

ولاشك في ان محاولتك للتعويض العاطفي المتأخر كانت ستترتب عليها تبعات جسام يتأذي بها من لاذنب لهم في استسلامك السريع بعد التخرج لظروفك.. واولهم زوجتك التي لم يجبرك احد على الارتباط بها ولاتجد ما تأخذه عليها سوى في انكفائها على بيتها وابنائها حتى ولو لم تحسن التعبير العاطفي عن الحب وابناؤك الذين لاذنب لهم ولاجريرة فيما قضت به المقادير.

فلا تخجل من قرار شجاع رأيت معه ان تتحمل وحدك تبعات التفريط في الحب في البداية وعدم التواصل العاطفي بينك وبين من تزوجتها بارادتك في النهاية.

فهكذا يفعل الفضلاء الذين يأبون الا ان يتحملوا وحدهم تبعات اختياراتهم.. ولايكلفون غيرهم من امرهم رفقا بأية دعاوى او مبررات ولو انصفت لحاولت اقناع نفسك بفتح صفحة جديدة مع زوجتك وام ابنائك لاتنظر اليها فيها كرمز للهمة الخائرة والحب الذي تخلى عنه طرفاه وانما كأنسانة وام وزوجة جمع الله بينك وبينها ودامت عشرتكما بلا مشكلات حقيقية حتى اثمرت ثمارها الطيبة من الابناء ومن المؤكد انك سوف تستشعر تجاهها احاسيس جديدة تقضي على احاسيسك السابقة بالقهر والتعاسة.