في رحاب الصادقين بقلم الداعية/مصطفى حسني

نستكمل حديثنا هذه المرة عن الصدق في رحاب الصادقين. و أود أن أذكركم بهذه القصة المشهورة، قصة "كعب بن مالك"، و"كعب بن مالك" أحد الصحابة الذين شهدوا مع النبي كل الغزوات، وسنة 9 من الهجرة قبل وفاة النبي بسنة خرج النبي في غزوة "تبوك" وهي على مسافة ألف كيلو من المدينة والمسلمون 30 ألفا والرومان 400 ألف، يقول "كعب بن مالك": كان عندي جملان، و يقول إنه لم يجمع يوما راحلتين إلا في هذا الوقت وكانت أمواله كثيرة ولكن كان هذا وقت الحصاد، فكلما أعد الجيش نفسه للخروج ذهبتُ أنا للبستان لأرى هل نضج الثمر أم لا.

بدأ الجيش يتحرك إلى أن تيقنت أني لن ألحق بهم، يقول: فحزنت، و عند رجوع النبي صلى الله عليه وسلم من الغزوة و لما علمت أن النبي صلى الله عليه و سلم عائد في الطريق حضرني حزني، حضرني بثِّي، و قلت كيف أخرج من سخطه؛ فأخذت أتذكر الكذب.
قال: فلما علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المدينة أنزاح عني الباطل وعلمت أنه لن ينجيني إلا الصدق. وكان هناك بضع و ثمانون منافق في المدينة دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم أمام "كعب بن مالك" وكل منهم يعتذر للنبي صلى الله عليه وسلم ويتحجج بالظروف إلى أن رأى النبي صلى الله عليه و سلم "كعبَ بن مالك"، يقول "كعب": فلما رآني النبي صلى الله عليه وسلم تبسَّم إليّ تبسُّم المغضَب وقال: "تعال اجلس"؛ فجلست.
قال: "ما خلَّفك؟"
قلتُ: يا رسول الله لو كنت عند غيرك من أهل الدنيا لخرجت من سخطه بعذر. لقد أوتيتُ جدلاً ولكني لو حدثتك بحديث كذب تُرَدُّ به عني يوشك الله أن يُسخِطك عليّ، و لو حدثتك بحديث صدق تجد عليّ فيه –أي تلومني عليه- إني لأرجو فيه عقبى الله.. والله يا رسول الله ما كان لي عذر وما جمعت بين راحلتين إلا في هذا الوقت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أمّا هذا فقد صدق، قم حتى يقضي الله فيك".
أربعون يوما والصحابة لا يكلمون سيدنا "كعب بن مالك"، وكان يسير بالشارع يُسلِّم على الصحابة و لا أحد يرد عليه السلام، فدخل المسجد و سلَّم و لم يرد عليه أحد امتثالا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم.
يقول سيدنا "كعب": حتى تنكرت لي الأرض وتنكرت لي نفسي فلما ضاقت عليّ كما قال الله: {حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ}.. قال: ذهبت إلى حائط "أبي قتادة" و هو ابن عمي وأحب الناس إليّ، فتلسقت فوق هذا الحائط فوجدته يزرع فقلت: يا أبا قتادة، فلم يرد عليّ، و كررت النداء فلم يرد عليّ و كررتها ثلاث مرات، ففي المرة الثانية قلت: يا أبا قتادة ناشدتك الله أما تعلم أني أحب الله ورسوله؟ فسكتَ، وفي الثالثة إجابني أبو قتادة بقوله: الله ورسوله أعلم! قال "كعب": ففاضت عيناي..
وبينما يمشي "كعب بن مالك" إذ بفلاح يأتيه برسالة من ملك الروم يقول فيها:
"إنك كنت معنا و نحبك وذهبت لمحمد و قد جافاك، نعلم أن صاحبك قد جافاك و لم يجعلك الله في هذه المدينة بدار هوان فالحق بنا نوافِك" أي تعال إلينا نُكرمك.
قال "كعب بن مالك": أما هذا فإنه لمن تمام البلاء، و حرق تلك الرسالة و مرت 10 أيام أخرى؛ ليكتمل خمسون يوما من هذا الحزن و الجفاء والحسرة. يقول "كعب": وبينما أنا كذلك وأنا أقف على سقف بيتي أصلي سمعت أحدهم يقول: أبشر يا كعب.. فخررت ساجداً حيث نزل القرآن بقوله تعالى: {ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا}.. وأخذ الصحابة يتنافسون سعيا لحمل البشرى لسيدنا "كعب".
يقول: فذهبت لرسول الله صلى الله عليه و سلم بعد خمسين يوما من خصام الرسول والصحابة، فتبسم، و كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا تبسَّم استنار وجهه كأنه القمر. فقال النبي صلى الله عليه وسلم:" أقبل يا كعب بخير يومٍ طلع عليك منذ ولدتك أمك؛ فقد تاب الله عليك." فقال كعب: يا رسول الله وإن من توبتي لله ألاّ أحدِّث بعد الآن إلا صدقاً.
وعلّق كعب على هذه القصة بقوله: وما أعلم أحدا من الناس ابتلاه الله في الصدق مثلما ابتلاني وإن من توبتي لله ألاّ أحدِّث أحدا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا صدقاً، وأسأل الله أن يثبتني حتى ألقاه.

كانت هذه قصة صدق نتعرف من خلالها حقيقة قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ".. فالله سبحانه و تعالى معهم و إن أخطأوا، و إن أذنبوا، و إن فعلوا ما لا يرضيه في لحظة فإنه تعالى ينجيهم بصدقهم.
و عن الصدق يقول الإمام "الجنيد": "حقيقة الصدق أن تصدق في مواقف لا ينجيك منها إلا الكذب".
و يقول ابن القيم: "عليك بالصدق حيث تخاف أن يضرك فإنه ينفعك، و دَعِ الكذب حيث ترى أنه ينفعكَ فإنه يضرك".
و عندما تكلم العلماء عن الكذب قالوا إنه من أسوأ الأخلاق حتى أن الإمام "الغزالي" يقول إنه من أقبح الذنوب؛ لأن الكذاب من الصعب أن يتخذ حبيبا أو صديقا، وكيف يتخذ حبيبا وصديقا و هو لا يهتم بنظر الله أو رؤية ربنا عز وجل له، و كأن ما يعنيه رضا الناس أما رضا الله فلا يساوي عنده شيئا، ونسي أن قلوب العباد بيد رب العالمين ونسي الحديث المشهور: "من أرضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس، ومن أسخط الناس برضا الله رضي عنه الله و أرضى عنه الناس".

وذهب العلماء إلى أن الكذب هو شعار الخيانة؛ إذ إن الكذاب يظل يكذب إلى أن يُصدِّق نفسه فيذهب عند الله ويسأله ماذا فعلت فيكذب على الله يوم القيامة حيث يكون الحساب، قال تعالى:
{يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}..
ويقول: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمْ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمْ الْكَاذِبُونَ}..
وعن الكذب يقول "سعد بن أبي وقاص": "كل خصلة يطبع عليها الإنسان إلا الكذب والخيانة".

ويقول لقمان الحكيم وهو يوصي ولده: "يا بني إياك و الكذب فإنه شهي كلحم العصفور ثم لا يلبث صاحبه قليلاً إلا أن يتقيّأه". ويقول سيدنا "علي بن أبي طالب": "إن من أعظم الخطايا اللسان الكذوب فإنه شر الندامة يوم القيامة".

وأختتم حديثي معكم في رحاب الصادقين بقول الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم: "أنا زعيم بيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحا".

فأوصي نفسي و إياكم بأن نعاهد الله من اليوم على ألاّ نكذب أبداً..
و أدعوه أن يعيننا على الصدق ويوفقنا إليه..
إنه هو السميع العليم.