عروس إمبابة





ترددت كثيرا جدا في إرسال تلك الرسالة إذ لم أتخيل في يوم من الأيام أن تصل تفاصيل حياتي لبريد الجمعة الذي اتابعه منذ أعوام طويلة وتألمت لأصحاب قصص كثيرة كما فرحت لآخرين‏.‏

أنا يا سيدي فتاة سأبلغ الثلاثين من العمر بعد‏3‏ شهور إن شاء الله نشأت في أسرة طيبة جدا وتربيت في بيت لا يعرف سوي السعادة والاستقرار لم نمر أبدا أنا واخواتي بتجربة الخلافات المزمنة بين الأبوين ولا شاهدت مرة مشاجرة بين ابي وأمي وحتي اليوم لا اغادر المنزل قبل أن أقبل يد أبي العظيم وخد أمي الحنون‏.‏

افني أبي وأمي حفظهما الله لي اجمل سنوات العمر في رعايتي انا واخوتي ولم يبخل ابي ابدا بأي شيء علينا علي الرغم من انه كان يشغل منصبا حكوميا ونحن بالمناسبة أسرة من الطبقة المتوسطة لكنه ربانا أفضل تربية ولم نشعر ابدا بأننا ينقصنا أي شيء نلبس اجمل الثياب ونأكل افضل الطعام ولدينا اشتراك في النادي ويمارس كل منا هوايته ويشجعه أبي علي ذلك وكان دائما يضحك ويقول لأمي من يتقي الله يبارك له الله في رزقه وأولاده وفعلا هذا هو ما حدث علي الرغم من محدودية الدخل فاننا تربينا أحسن تربية ولم نشعر ابدا اننا ينقصنا أي شيء والحمد لله‏.‏

وكنا نقيم في احدي محافظات الصعيد بسبب عمل ابي في شركة الكهرباء ثم انتقلنا للقاهرة ولأن الانتقال جاء فجأة بعد ترقية حصل عليها أبي في عمله فكان الوقت المتاح للبحث عن سكن ملائم لأسرة بها‏4‏ أبناء محدودا جدا لذلك أخذ ابي باقتراح عمي وانتقل للقاهرة بمفرده في البداية وبدأ في بناء منزل بناه علي قطعة أرض يمتلكها كان قد ورثها عن جدي وما إن انتهي البناء وهو منزل من دور واحد بالمناسبة انتقلنا للعيش فيه وكان في منطقة امبابة شعرنا منذ اللحظة الأولي يا سيدي بالفارق الرهيب في البيئة المحيطة والمستوي الثقافي فعلي الرغم من أننا كنا نعيش في احدي محافظات الصعيد فاننا كنا نسكن في مكان جميل جدا مطل علي النيل والطبيعة في كل مكان والجميع مهتم بالدراسة والهوايات المختلفة والجميع متفوقون والمنافسة شديدة جدا بين الطلاب في المدارس‏.‏

أما في مكان سكننا الجديد فلاحظت تدني مستوي التعليم والألفاظ الغريبة التي نسمعها لأول مرة والمستويات الثقافية التي لم أكن اعلم بوجودها من قبل‏.‏

لا اتحدث هنا يا سيدي عن الفقر ولا عن المستوي الاجتماعي فأنا قبل كل شيء من أسرة متوسطة الحال اسرة مصرية عادية جدا لكنني اتحدث عن الاخلاقيات والتعامل ونمط الحياة يعني تخيل ياسيدي فتاة في المرحلة الابتدائية تمضي وقت فراغها في الرسم والقراءة والمعرفة تجد من حولها من فتيات في سنها لا حديث لهن سوي الاولاد والغراميات وكلام فج آخر ولاحظ أن هذا يحدث في المرحلة الابتدائية‏!!!!!‏ واقسم بالله ياسيدي هذا هو ما حدث في المدرسة التي التحقت بها وطبعا اصبح الحال أسوأ بكثير في المرحلة الاعدادية والثانوية‏.‏

شعرنا بالعزلة الشديدة عمن حولنا واحس أبي بذلك وحاول أن يعوضنا فبذل كل جهده لكي لا تؤثر علينا البيئة الجديدة وبالفعل استمر تفوقنا الدراسي وتخرجنا في كليات مرموقة وتعودنا علي البيئة المحيطة دون تذمر لأننا حافظنا علي جميع المزايا التي تربينا عليها ولم تتأثر بأية مساوي‏:‏ شهدنا هنا واكتفينا بأن الناس المحيطين من بينهم الكثير من الطيبين بالفعل والحمد لله منذ أن اتينا لنعيش هنا أصبحنا محبوبين من الجميع وانتشرت سمعتنا الطيبة في المنطقة‏.‏

وعملت انا وأخوتي بوظائف متميزة ولأننا تربينا علي الضمير اليقظ والاجتهاد فقد شهد لنا الجميع بحس الاداء في العمل وبدأت الترقيات والتميز والحمد لله‏.‏

ومرت الأعوام وتزوج اخوتي وانجبوا وكبرت اسرتنا واستمرت سعادتنا والحمد لله تسألني يا سيدي واين هي المشكلة إذن؟

المشكلة تتعلق بي أنا فأنا علي وشك أن أبلغ الثلاثين ولم اتزوج وما هو السبب الرئيسي في ذلك؟ المنطقة التي اسكن بها‏.‏

مرات ومرات يتقدم لي شباب للارتباط وبمجرد ان يسمعوا بمكان سكني يذهبوا بلا عودة للأسف الشديد يا سيدي مظهري يعطي الناس انطباعا بأنني انتمي للطبقة الراقية ذلك لانني انيقة جدا ورقيقة الملامح‏,‏ بالإضافة إلي انني اعمل باحدي وكالات الأنباء الأجنبية واجيد عدة لغات وقبل ذلك كله لدي مسحة ايمانية ونوع من صفاء النفس نتيجة النشأة الصحية التي حظيت بها والتدين الذي غرسه ابي فينا منذ الصغر والحمد لله‏.‏

وللأسف الشديد يا سيدي وأقول للأسف الشديد لأن كل هذا كان ابتلاء بالنسبة لي وليس ميزة إذ اصبحت اجتذب انتباه الشباب من الطبقة الراقية فقط ومعظمهم يتقدم لي عن طريق العمل أو ترشيحات الزملاء ويبدون حماسا شديدا نحو الارتباط بي وبمجرد ان يسمعوا بمكان سكني يذهبوا بلا عودة وتكرر ذلك مرات ومرات حتي صار نمط حياة لي‏.‏

ومن أبرز تلك الأمثلة يا سيدي ما حدث لي خلال مرحلة الدراسات العليا عندما رشحني احد الاساتذة كنت اعتبره اخا كبيرا لي هو وزوجته الرائعة وهي أيضا استاذة في نفس القسم الذي ادرس به لزميل له يعمل مهندسا في احدي شركات الاتصالات واتي بالفعل للكلية والتقيت معه في وجود استاذي وكان متحمسا بشدة للارتباط بي وطلب رقم والدي وبالفعل اتصل به في نفس اليوم وحدد معه موعد الزيارة وكان من الطبيعي ان يخبره ابي بالعنوان الذي كان يعلمه للمرة الأولي وانتظرنا زيارته في الموعد لكنه لم يأت ابدا ولم اعرف السبب ولاحظت ان استاذي الفاضل يتهرب من الكلام معي في الكلية عندما اردت ان اعرف منه السبب وفي النهاية اخبرني وهو في شدة الحرج ان زميله فوجيء عندما عرف بالمكان الذي اسكن فيه‏,‏ وقال انه لم يتخيل ابدا ان تكون فتاة مثلي تسكن في هذا المكان البيئة علي حد وصفه واعتذر لي بشدة عن الحرج الذي سببه لي‏,‏ وقال إنه لو كان يعرف انه انسان سطحي بهذا الشكل ما كان رشحني له ابدا‏.‏

وتكرر نفس الموقف كثيرا جدا يا سيدي حتي ساءت حالتي النفسية جدا انا لست نادمة علي هؤلاء يا سيدي لأنني انا ارفض الارتباط بمن يفكر بتلك الطريقة ولكن لماذا يفكر الناس علي هذا النحو؟ وما الذي يعيبني لأرفض من أجل مكان اسكن فيه؟؟؟

فكر ابي مرات عديدة في بيع المنزل والانتقال لمكان افضل لكنني رفضت لسببين اولا ان هذا هو بيت العيلة ولا يخصني وحدي ولكن لي واخوتي وللأسرة كلها‏,‏ وثانيا لانني لم اقبل علي نفسي ان ارتبط بانسان يتحمس لمظاهر لا معني لها‏,‏ وعلي الجانب الآخر يا سيدي فوجئت ان من يتقدمون لي من نفس الطبقة التي انتمي لها رفض أمهاتهن عادة أو أخوتهم الأكبر الارتباط بفتاة مثلي لأنني مثقفة واعمل بمهنة متميزة‏,‏ وبالتالي يكون ظنهم في انني مغرورة ولن يستطيعوا التعامل معي وواجهت هذا الموقف عدة مرات‏.‏

كيف اكون متكبرة ومغرورة بالله عليك يا سيدي وانا قريبة من الله سبحانه وتعالي؟ هل كوني احافظ علي اناقة المظهر وكوني حصلت علي قدر متميز من التعليم والثقافة يجعلني مغرورة؟ ولماذا يحكم الناس علي شخص دون التعامل معه؟ وهل اصبح التميز العلمي والعملي وباء يبتعد عنه الناس؟ وهل كان لابد ان اكتفي بقدر متوسط من التعليم حتي اروق للخطاب من المنطقة التي اسكن بها ولاسرهم؟؟؟

وأكثر ما سبب لي ألما نفسيا يا سيدي ان غالبية من يتقدمون لي من المنطقة لم يحصلوا حتي علي قدر متوسط من التعليم بل وينظر لي الواحد منهم بطريقة‏(‏ احمدي ربنا اني اتقدمت لك‏)‏ وذلك لأنهم عادة ما يكونون من اصحاب الاعمال الحرة وواسعي الثراء وهو ما لا يعنيني علي الاطلاق انا أرحب ان ارتبط بجامعي مثلي في بداية حياته العملية ونعمل سويا ونكافح ونكدح ونبني حياتنا ونشعر بالتوافق والسعادة علي ان اتزوج مليونيرا اشعر معه انه تزوجني ليسد نقصا في ذاته بسبب فارق التعليم وهو ما لمسته فيمن يتقدمون لي إذ لا يهتم معظمهم الا بكوني‏(‏ بتكلم لغات وشكلي كويس‏).‏

أنا يا سيدي لا أبالي بالوضع الاجتماعي او الثقافي أو المادي لأسرة من يتقدم لي ولا اين يسكن أو ما هي استعداداته المالية للزواج ولا يهمني سوي الانسان نفسه وأن يكون شابا صالحا ومهذبا وأن يكون هناك تكافؤ عقلي بيننا فقط كما أن أبي يخالف الكثير من الآباء في أنه بالفعل يطبق حديث الرسول صلي الله عليه وسلم إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه ولكن يبدو ان الناس يفهمون هذا خطأ إذ تعرضت لموقف سييء للغاية لأن أبي لم يفرض علي شابا تقدم لي أية طلبات خاصة بالشبكة والجهاز وقال له جهز في حدود امكانيتك وإذا بوالدة هذا الشاب ترفض اتمام الخطبة وسامحها الله نشرت بين الجميع انني لابد وأن تكون معيوبة لأن ابي لم يشترط ولم يطلب اية طلبات وكيف يمكن ان يحدث هذا وهي عندما تزوجت ابنتها طلبت لها شبكة بكذا وجهازا بكذا‏!!‏

يعني هل لأن يكون ابي لا يريد أن يثقل كاهل شاب في بداية حياته بالطلبات وتوسم فيه الخير يكون معني ذلك ان هناك عيبا في؟؟؟؟

سيدي العزيز لقد رميت فكرة الزواج وراء ظهري وكفاني ما مررت به من ألم نفسي بسبب هذا الموضوع وركزت الآن علي عملي فقط وارتضيت بما قسمه الله لي ولكنني ارسل رسالتي تلك مناشدة للجميع الشباب والأسر وكل من يقرأ تلك الرسالة‏.‏

بالله عليكم لا تتمسكوا بالظاهر لأنه مهما تكن براقة فهي زائفة وتخيروا شريك الحياة علي أساس سليم كما أمرنا الدين ولو حدث ذلك ما حدثت مشكلة العنوسة ولا تفاقمت‏.‏

واقول للجميع اتقوا الله ليرزقكم بالخير‏.‏

*‏ سيدتي‏...‏ لا تلقي بفكرة الزواج خلف ظهرك‏,‏ وأيضا لا تجعليها القضية المسيطرة علي تفكيرك والتي تسلب سعادتك وتعرقل مسيرة نجاحك في عملك‏.‏

فالزواج يا عزيزتي كما الرزق المقدر والمكتوب‏,‏ فإذا كان لك فستحصلين عليه بدون بذل اي جهد أو بمطاردة‏,‏ المهم ان تكوني علي الصورة التي أمرك الله بأن تكوني عليها‏,‏ اما اذا لم يكن هذا الزواج رزقك وقدرك فلن يكون مهما ركضت في الدنيا أو تساهلت وقدمت تنازلات لمن يستحق أو لا يستحق‏.‏

فإذا سلمنا بهذا‏,‏ وهذا التسليم هو لب الإيمان بالله وبما كتبه علي عباده‏,‏ فإنك حتما سترتاحين كثيرا‏,‏ لان رزقك بيد الله وحده‏,‏ لايستطيع بشر أن ينقص أو يزيد منه شيئا‏.‏

المشكلة ياعزيزتي هي التي وضعت يدك عليها‏,‏ وهي تتمثل في مجتمع يبحث عن المظهريات ويتجاهل الجوهر‏,‏ يري في كل ما يلمع ذهبا حتي لو كان في حقيقته حديدا أو نحاسا‏,‏ ودائما ما يدفع الثمن من ينتمي الي تلك الطبقة البائسة والتي تمثل رمانة الميزان في مجتمعاتنا‏,‏ وهي الطبقة المتوسطة التي تنتمين اليها‏,‏ فتاة متعلمة مثقفة‏,‏ ابنة لأب موظف‏,‏ مكافح‏,‏ شريف‏,‏ ترك مجتمعه من قلب الصعيد الدافئ‏,‏ لينتقل بأسرته وعمله الي امبابة

منطقة شعبية في الجيزة تضم كل فئات المجتمع‏,‏ منطقة مثل عشرات المناطق في قلب القاهرة الكبري

تتوه فيها أصول العائلات ويمتزج الفقير والمستور في شارع واحد‏,‏ منطقة مثل غيرها‏,‏ فيها الصالح والطالح‏,‏ الطيب والشرير‏..‏ هي وحدها لاتعني شيئا‏,‏ لا تمنح ساكنها صفات حميدة ولا تنزعها عنه‏,‏ هي مأوي لكثير من الغرباء والمكافحين والحالمين‏,‏ في امبابة عشت عروسا جميلة‏,‏ مثقفة متزنة‏,‏ طموحة تحملين في داخلك عادات وتقاليد صعيدية محترمة‏,‏ يري فيك الأثرياء ـ الذين يمتلكون المال ويشعرون بتميزهم حسب ثرواتهم لا ثقافاتهم وقيمهم واحدة ـ تشبههم في المظهر والسلوك الراقي‏,‏ يرونك عروسا مناسبة

ولكن عندما يعرفون بسكنك يفرون‏..‏ معك كل الحق‏,‏ مثل هؤلاء غير جديرين بك وبمن هي مثلك‏,‏ ومثلهم من ينتمون الي طبقتك ولكنهم يخشون من نجاحك وثقتك بنفسك‏,‏ يخشون من تطلعاتك الي الطبقة الأعلي‏,‏ هم يريدونك منكسرة مهزومة‏,‏ فيهربون بحثا عمن هي أدني‏,‏ أما من هم أدني منك‏,‏ الذين يرون في اموالهم سلما للارتقاء الاجتماعي بدون أي سند من الثقافة‏,‏ هؤلاء يعتقدون انهم قادرون علي شراء اي شيء‏,‏ حتي الانسان بأموالهم‏.‏

سيدتي‏..‏ سطور رسالتك تواصل كشف زيف المجتمع‏,‏ هذا المجتمع الذي يطالب الفتيات وأسرهن بعدم المغالاة في المهور ومساعدة الشباب‏,‏ وعندما يفعل أب ذلك‏,‏ يبدأ التشكيك والحديث عن التساهل‏.‏

انت علي صواب ياعزيزتي‏,‏ واصرارك علي الاستمرار في امبابة وعدم إثقال كاهل والدك بالبحث عن مكان ارقي‏,‏ ارضاء لعريس جاهل لم يشغل باله ولم يبذل جهدا لاكتشاف الجوهرة التي بداخلك‏,‏ هو عين الصواب‏,‏ فقدرك سيأتي اليك حتما وفي موعده ومع شخص يستحقك‏.‏

فلا تيأسي‏,‏ ولا تفقدي ثقتك بنفسك‏,‏ فالعيب ليس فيك‏,‏ العيب في مجتمع يتجرع الكذب كل صباح وهو يدعي التدين‏..‏ ويكفيك انك تمثلين طبقة لولاها لانهار هذا المجتمع منذ زمن بعيد‏..‏ لست وحدك فمثلك كثيرون‏,‏ وستجدين من بينهم قريبا من يسعد بك ويواصل معك رحلتك وايمانك بضرورة الحفاظ علي الطبقة المتوسطة لتغيير تلك المفاهيم الخاطئة والتي أصبحت من كثرتها‏,‏ هي القاعدة لا الاستثناء والي لقاء بإذن الله‏.‏