سماحة الإمام الوالد عبد العزيز بن عبد الله بن باز :

الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وصحبه . أما بعد : فلا ريب أن " الإسراء والمعراج " من آيات الله العظيمة الدالة على صدق رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وعلى عظم منزلته عند الله - عز وجل - ، كما أنها من الدلائل على قدرة الله الباهرة ، وعلى علوه - سبحانه وتعالى - على جميع خلقه ، قال الله - سبحانه وتعالى - : ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ . [ الإسراء : 1 ] .


هذه الليلة التي حصل فيها " الإسراء والمعراج " ، لم يأت في الأحاديث الصحيحة تعيينها لا في رجب ولا غيره ،

وكل ما ورد في تعيينها ؛ فهو غير ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - عند أهل العلم بالحديث
،

ولله الحكمة البالغة في إنساء الناس لها ،

ولو ثبت تعيينها لم يجز للمسلمين أن يخصوها بشيء من العبادات ،

ولم يجز لهم أن يحتفلوا بها ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه - رضي الله عنهم - لم يحتفلوا بها ، ولم يخصوها بشيء ،

ولو كان الاحتفال بها أمرًا مشروعًا لبينه الرسول - صلى الله عليه وسلم - للأمة ، إما بالقول وإما بالفعل ،

ولو وقع شيء من ذلك لعرف واشتهر ، ولنقله الصحابة - رضي الله عنهم - إلينا ،

فقد نقلوا عن نبيهم - صلى الله عليه وسلم - كل شيء تحتاجه الأمة ، ولم يفرطوا في شيء من الدين ،

بل هم السابقون إلى كل خير ، فلو كان الاحتفال بهذه الليلة مشروعًا لكانوا أسبق الناس إليه ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - هو أنصح الناس للناس ، وقد بلغ الرسالة غاية البلاغ ، وأدى الأمانة فلو كان تعظيم هذه الليلة والاحتفال بها من دين الله لم يغفله النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يكتمه ، فلما لم يقع شيء من ذلك ، علم أن الاحتفال بها ، وتعظيمها ليسا من الإسلام في شيء ، وقد أكمل الله لهذه الأمة دينها ، وأتم عليها النعمة ، وأنكر على من شرع في الدين ما لم يأذن به الله ، قال - سبحانه وتعالى - في كتابه المبين من سورة المائدة : ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا ﴾ . [ المائدة : 3 ] .
وقال - عز وجل - في سورة الشورى : ﴿ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ . [ الشورى : 21 ] .

وأرجو أن يكون فيما ذكرناه من الأدلة كفاية ومقنع لطالب الحق في إنكار هذه البدعة : أعني بدعة الاحتفال بـ " ليلة الإسراء والمعراج " ، والتحذير منها ، وأنها ليست من دين الإسلام في شيء .


ولما أوجب الله من النصح للمسلمين ، وبيان ما شرع الله لهم من الدين ، وتحريم كتمان العلم ، رأيت تنبيه إخواني المسلمين على هذه البدعة ، التي قد فشت في كثير من الأمصار ، حتى ظنها بعض الناس من الدين .

والله المسؤول أن يصلح أحوال المسلمين جميعًا ، ويمنحهم الفقه في الدين ، ويوفقنا وإياهم للتمسك بالحق والثبات عليه ، وترك ما خالفه ، إنه ولي ذلك والقادر عليه ، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه .