بقلم: هاني السباعي



قال قائل: كيف تضع تاريخ خليفة بن خياط كمصدر من مصادر السيرة النبوية قبل تاريخ الإسلام للذهبي والكامل لابن الأثير رغم أن ابن خياط قد تكلم فيه بعض علماء الجرح والتعديل حيث غمزه ابن المديني وقال عنه: (ابن خياط شجر يحمل الحديث)!! وضعفه العقيلي ولم يحدث عنه أبوحاتم الرازي ولم يوثقه أبوزرعة الرازي. ورغم ذلك تعتمد كتابه كمصدر من مصادر السيرة والرجل بهذا الضعف؟!!

ولمناقشة هذا الإعتراض والرد عليه عبر النقاط التالية:
أولاً: التعريف بابن خياط وأقوال العلماء فيه تجريحاً وتعديلاً.

ثانياً: منهج ابن خياط في كتابة التاريخ.

ثالثاً: صفوة القول.


أولاً: التعريف بابن خياط وأقوال العلماء فيه تجريحاً وتعديلاً:


يعرفه لنا الحافظ محمد بن طاهر بن القيسراني المتوفى (507هـ) في كتابه( تذكرة الحفاظ):

"الحافظ الإمام أبو عمرو العصفري المعروف بشباب محدث نسابة اخباري علامة صنف التاريخ والطبقات وسمع ابن عيينة ويزيد زُريع وغندراً وطبقتهم وعنه البخاري وبقي بن مخلد وعبدان وأبويعلى وطائفة قال ابن عدي مستقيم الحديث صدوق من متيقظي الرواة. قال مطين مات سنة أربعين ومائتين رحمه الله تعالى يقع لنا حديثه عالياً من مسند أبي يعلى الموصلي"[i]
ويقول عنه الحافظ السيوطي المتوفى (911هـ):

خليفة بن خياط بن خليفة بن خياط العصفري أبوعمرو البصري الحافظ المعروف بشباب كان عالماً بالنسب والسير وأيام الناس روى عن ابن علية وبشر بن المفضل وأبي داود الطيالسي وابن عيينة وابن مهدي ويزيد بن زريع وعنه البخاري وأبو يعلى وبقي بن مخلد وحرب بن إسماعيل الكرماني والدارمي وعبد الله بن أحمد بن حنبل"[ii]
وقال عنه الحافظ محمد بن حبان بن أحمد أبو حاتم البستي المتوفى (354هـ):

خليفة بن خياط أبو عمر العصفري من أهل البصرة يقال له شباب يروي عن ابن عيينة والبصريين حدثنا عنه الحسين بن سفيان وغيره وكان عالماً متقناً بأيام الناس وأنسابهم"[iii]
ويقول عنه الحافظ شمس الدين الذهبي المتوفى (748هـ) في (ميزان الإعتدال):
"خليفة بن خياط العصفري الحافظ شباب صاحب التاريخ روى عن جعفر بن سليمان ومعتمر بن سليمان ويزيد بن زريع وخلق وعنه البخاري وأبويعلى وعبدان وخلق"[iv]
لكن لماذا ضعفه بعض العلماء رغم ثناء جماهير علماء الأمصار عليه؟!

أقول
: لقد اختلط على بعض المعاصرين الأمر وسبب ذلك أنهم يتعاملون مع ابن خياط من خلال من منظور واحد فخليفة بن خياط محدث ومؤرخ في وقت واحد فمن نظر إلى قول بعض العلماء فيه من الناحية الحديثية ومن حيث الرواية بشروطها وضوابطها الصارمة يضعفونه.. ومن ينظر إليه كمؤرخ علامة نسابة فهو الإمام المقدم في هذا الفن ومن ثم يتساهلون في بعض مروياته التاريخية.. ورغم ذلك فإنه محدث ثقة وليس كما يتوهم البعض أنه ضعيف سوف نثبت ذلك من خلال أقوال صيارفة الإسلام في علم التعديل والتجريح.. وسنتتبع أصل هذه القضية وكيف وصل إلينا الأمر أن خليفة بن خياط ضعيف الرواية على النحو التالي:
لقد تمسك البعض بما ذكره الحافظ أبو جعفر محمد بن عمر العقيلي المتوفى (322هـ) حيث قال في كتابه الضعفاء:

"خليفة بن خياط البصري يعرف بشباب العصفري بصري حدثني زكريا بن يحيى الساجي قال حدثنا الحسين بن يحيى الأزدي قال سمعت علي بن المديني يقول في دار عبد الرحمن بن عمر بن جبلة: وشباب بن خياط شجر يحمل الحديث"[v]
ويشرح لنا الحافظ أبوالوليد الباجي المتوفى (474هـ) أصل المشكلة بتفصيل أكثر في كتابه (التعديل والتجريح):

"خليفة بن خياط يقال له شباب أبو عمرو العصفري البصري أخرج البخاري في الجنائز والدعوات عنه عن معتمر قال عبد الرحمن بن أبي حاتم انتهى أبوزرعة الرازي إلى أحاديث كان أخرجها في فوائده عن شباب العصفري فلم يقرأها علينا فضربنا عليها وتركت الرواية عنه قال أبوحاتم الرازي لا أحدث عن شباب هذا هو غير قوي. كتبت من مسنده أحاديث ثلاثة عن أبي الوليد فأتيت أبا الوليد فسألته عنها فأنكرها. فقلت كتبتها من كتاب شباب العصفري فعرفه وسكن غضبه وهذا على نحو ماقالوا وإنما يقول البخاري عنه في أكثر ما خرج وقال خليفة بن خياط وقد قال حدثني خليفة بن خياط وقرنه بان أبي الأسود جميعاً عن معتمر في باب مرجع النبي صلى الله عليه وسلم من الأحزاب ومخرجه إلى بني قريظة وقال في تفسيره لسورة البقرة وقال لي خليفة بن خياط عن يزيد بن زريع وقرنه بمسلم عن هشام وقال في الردة وحدثني خليفة بن خياط وقرنه بمحمد بن أبي بكر على هذا رأيت أمره إذا أفرده قال وقال لي خليفة وإذا قرنه قال وحدثني خليفة"[vi]
هكذا استبان لنا لماذا غمز بعض العلماء ابن خياط؟! فالحافظ أبو الوليد الباجي ذكر قول أبي حاتم الرازي: (لا أحدث عن شباب هذا هو غير قوي كتبت من مسنده أحاديث ثلاثة...إلخ) لكن لما عرضها على الحافظ أبي الوليد أنكرها!! لكن أبا حاتم تدارك الأمر وقال: كتبتها من كتاب شباب العصفري.. بمعنى أنه إذا صرح خليفة بن خياط فهو ثبت ثقة أما إذا لم يصرح وقال الراوي: قال خليفة بن خياط.. فهنا لايقبلون روايته إذا انفرد ولم يصرح بالتحديث.. وحاول الحافظ الباجي أن يبرر لماذا روى عنه البخاري في صحيحه؟! بمعنى أوضح إذا كان خليفة بن خياط ضعيفاً فلماذا روى البخاري عنه في صحيحه؟ بل إن خليفة بن خياط من شيوخ البخاري..
وقد قيل إن البخاري روى عنه مقروناً بغيره...
ولنترك الحافظ شمس الدين الذهبي ليتكلم عن الخلفية العلمية لابن خياط ولنعرف رأيه في هذه القضية من خلال ترجمته في كتابه الماتع (سير أعلام النبلاء):
"ابن خليفة بن خياط الإمام الحافظ العلامة الإخباري، أبوعمرو العصفري البصري، ويُلقب بشَبَاب، صاحب (التاريخ)، وكتاب (الطبقات)، وغير ذلك. سمع أباه، ويزيدَ بنَ زريع، وزيادَ بنَ عبدالله البكائي، وسفيان بن عيينة، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى، ومحمدَ بنَ جعفر غُنْدَراً، وإسماعيل بن عُلية، ومحمدَ بنَ أبي عدي، ومُعْتَمر بن سليمان، ومحمد بن سَوَاء، وخالد بن الحارث، ويحيى القطّان، وابنَ مهدي، وأميةَ بنَ خالد، وحاتم بن مسلم، وهشام الكلبي، وعلي بن محمد المدائني، وخلقاً كثيراً"[vii]
ونجد دقة الذهبي في استدراكه لشيخه الحافظ العلامة أبي الحجاج المزي المتوفى (742هـ) في مسألة فنية بحتة وهو بصدد الكلام عن شيوخ خليفة بن خياط حيث يقول: "ذكر شيخنا في (تهذيب الكمال) أنه روى أيضاً عن حماد بن سلمة فهذا وهم بيّن، فإنّ الرجل لم يلحق أيضاً السماع من حماد بن زيد، وأُراه رآه"[viii]
ولمن أراد أن يعرف قدر ابن خياط وثقة العلماء فيه وتوثيقهم له يقول عنه صاحب سير النبلاء:
"حدث عنه: البخاري بسبعة أحاديث أو أزْيَد في صحيحه، وبقيُّ بنُ مَخْلد، وحرب الكرماني، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، وأبوبكر بن أبي عاصم، وعمر بن أحمد الأهوازي، وموسى بن زكريا التُستري، وعَبْدَان الجواليقي، وزكريا السّاجي، وخلقٌ. وكان صدوقاً نسّابةً، عالماً بالسير والأيام والرجال. وثقه بعضهمم. وقال ابن عدي: هو صدوق من متيقظي الرواة. قلتُ (الذهبي): ليّنَهُ بعضُهم بلا حجة. قال: مُطَّين وغيرُه: مات سنة أربعين ومائتين"[ix]
انظر إلى قول الذهبي: (لينه بعضهم بلاحجة).. معنى ذلك أن الذهبي لا يثق في الرواية المذكورة عن أبي حاتم الرازي التي ذكرتها آنفاً.
وينبري ابن حجر العسقلاني المتوفى في (852هـ) مدافعاً عن ابن خياط مثلما فعل الذهبي ومن سبقه حيث يذكر في سياق الرد على في وجود أسماء مطعون عليها في صحيح البخاري فيقول في هدي الساري:

"خليفة بن خياط العصفري أبو عمرو لقبه شباب أحد الحفاظ المصنفين من شيوخ البخاري. قال ابن عدي له حديث كثير وتصانيف، وهو مستقيم الحديث صدوق من المتيقظين وقال ابن حبان كان متقناً عالماً بأيام الناس، وقال العقيلي غمزه ابن المديني وتعقب ذلك ابن عدي بأنه من رواية الكديمي عن ابن المديني والكديمي ضعيف لكن روى الحسن بن يححيى عن علي بن المديني نحو ذلك، وقال ابن أبي حاتم ما رضي أبوزرعة يقرأ علينا حديثه، وقال أبو حاتم لا أحدث عنه، هو غير قوي كتبت من مسنده ثلاثة أحاديث عن أبي الوليد ثم أتيت أبا الوليد فسألته عنها فأنكرها وقال ما هذه من حديثي فقلت كتبتها من كتاب شباب العصفري فعرفه وسكن غضبه.. قلت (ابن حجر): هذه حكابة محتملة وجميع ما أخرجه له البخاري أن قرنه بغيره قال: حدثنا خليفة وذلك في ثلاث أحاديث وإن أفرده علق ذلك فقال: قال خليفة قاله أبوالوليد الباجي ومع ذلك فليس فيها شئ من افراده والله أعلم"[x]

أقول
: انظر إلى قول ابن حجر (هذه حكابة محتملة) معنى ذلك أن ابن حجر لا يعتد بها ويوهنها وأنه لا يقبلها حجة في قدح ابن خياط وتجريحه. وانظر إلى استدراكه لأبي الوليد الباجي في قوله (ومع ذلك فليس فيها شئ من افراده والله أعلم) معنى ذلك أنه سواء قرن روايته البخاري أم أفرده فخليفة ابن خياط ثقة ثبت وصدوق.

ثانياً: منهج ابن خياط في كتابة التاريخ:


خليفة بن خياط من المؤرخين الكبار في التاريخ الإسلامي ومن أعظم رواد مدرسة البصرة. ألف كتابه الماتع (التاريخ) المشهور باسم (تاريخ خليفة بن خياط)، وله عدة كتب منها (طبقات القراء) (تاريخ الزمنى والعرجان والمرضى والعميان). ولم يبق من هذه الكتب إلا كتابه( التاريخ) و كتاب طبقات القراء.

نستطيع أن نقسم المصادر التي استقى منها معلوماته إلى:
مصادره في تدوين السيرة النبوية:
معظم معلومات خليفة بن خياط أخذها عن محمد بن إسحاق (ت151هـ) ونلاحظ وجود اسم وهب بن جرير الذي نقل عنه ابن سعد في طبقاته الكبرى، وكذا أبي معشر السندي. وقد بدأ حوليات كتابه بالسنة الأولى من الهجرة النبوية وانتهى إلى وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم مع ذكر عماله وكتّابه ثم شرع في ذكر الخلفاء الراشدين وبقية دول الإسلام إلى أحداث 232هـ.
أما في الأنساب:
فقد أخذ عن هشام بن محمد الكلبي، أبي اليقظان سحيم النسابة، ونجد اسم أبي عبيدة معمر بن المثنى الذي أخذ عنه أخبار الخوارج.
وقد أخذ عن يحيى بن محمد الكعبي ويزيد بن زريع وعبد الله بن المغيرة والوليد بن هشام وعبد الله بن قعنب وخلق كثير يبلغون أكثر من 103 من الإخباريين والرواة والمحدثين.
أما عن طريقته في السرد التاريخي:

يهتم بن خياط بالإسناد بصفته كمحدث ولا سيما فيما يتعلق بالجز الخاص بالسيرة النبوية والأحداث الخلافية، واتبع طريقة الحوليات في التاريخ، تلكم الطريقة التي سار عليها الطبري وكل ومعظم من كتب في تاريخ الإسلام.
ويهتم ابن خياط بواقعات وأحداث تاريخية لا نجدها في كتاب الطبري مثل اهتمامه بذكر أسماء شهداء الصحابة في الغزوات والسرايا.
كما أنه أعطانا معلومات هامة عن أسماء العمال والولاة في عهود الخلفاء وقدم لنا قوائم بأسماء القضاة وكبار رجال الدولة وبيت المال والخراج ورجال الشرطة ومن ثم تعتبر دراسة هامة للنظام الإداري والمالي في الإسلام.
وقد ابتدأ ابن خياط كتابه (التاريخ) بإعطائنا نبذة عن معنى التاريخ ومتى بدأ الناس يؤرخون حتى وصل إلى التاريخ الهجري ومتى وكيف حدث ذلك ومن أراد المزيد فليرجع إلى ما ذكره في مقدمة كتابه.. وهناك كتاب مطبوع بتحقيق د.أكرم ضيا العمري باسم (تاريخ خليفة بن خياط)..

صفوة القول



لقد قدمتُ الحافظ خليفة بن خياط على غيره لأن كتاب أقدم كتاب في تاريخ الإسلام مرتب على الحوليات ليس هذا فحسب بل لأنه محدث ثقة صدوق بشهادة علماء التعديل والتجريح كما ذكرت آنفاً.

أستطيع أن أؤكد أن شيخ المؤرخين الطبري أخذ عن ابن خياط كثيراً من المعلومات واحتذى طريقته في التأليف المرتب على الحوليات.
قد استبان لنا براءة ابن خياط من الرواية المنسوبة إليه عن طريق الكديمي الذي ضعفه الحافظ ابن عدي بل إن الحافظ ابن عدي هو أول من شكك في رواية الكديمي ودافع بقوة عن خليفة بن خياط ومن ثم سار على نفس الدرب في الدفاع عن ابن خياط علماء كثير كأبي الوليد الباجي والذهبي وابن حجر العسقلاني والسيوطي وغيرهم من علماء الإسلام.
يعتبر كتاب (تاريخ خليفة بن خياط) وخاصة فيما يتعلق بقسم السيرة النبوية مصدراً مكملاً لبقية مصادر السيرة النبوية حيث اهتم بأحداث لم يذكرها غيره.
لقد ظلم خليفة بن خياط حياً وميتاً فقد ابتلي بالمعتزلة الذين أتعبوه كثيراً وناصبوه العداء في عصر الخليفة المأمون وحسده أقرانه لسعة علمه وثقة الناس به. وظلم ميتاً حيث لم يأخذ مكان الصدارة في التاريخ الإسلامي ولم يهتم به الباحثون الإهتمام اللائق كمحدث ومؤرخ من كبار مؤرخي الإسلام.


[i] تذكرة الحفاظ/ محمد بن طاهر القيسراني/درا الصميعي للنشر/الرياض/ج2/ص436.

[ii] طبقات الحفاظ/ السيوطي/دار الكتب العلمية/ص193.

[iii] الثقات/ ابن حبان/ دار الفكر/ج8/ص233.

[iv] ميزان الإعتدال/ الذهبي/دار الكتب العلمية/ج2/ص257.

[v] ضعفاء العقيلي/ أبوجعفر العقيلي/ دار الكتب العلمية/ج2/ص22.

[vi] التعديل والتجريح/أبوالوليد الباجي/دار اللواء للنشر والتوزيع/الرياض/ج2/ص557.

[vii] سير أعلام النبلاء/الذهبي/مؤسسة الرسالة/بيروت/ج11/ص472 ومابعدها.

[viii] المرجع السابق/ج11/ص473.

[ix] المرجع السابق/ج11/ص473.

[x]
هدي الساري مقدمة فتح الباري/ابن حجر/داتر الفكر/بيروت/ص565 وما بعدها.