بقلم :أبوخالد الكنزى،

مملكة النوبة الإسلامية
الحضارة النوبية قاومت الحضارة العربية والثقافة الإسلامية لمدة طويلة امتدت لقرون، فالإسلام لم يتم نشره بصفة فعلية في مملكة النوبة المسيحية الأبعد رحيل بنو الكنز إليها واختلاطهم بالنوبيين واندماجهم التام معهم عن طريق المصاهرة وتبؤهم مركز الزعامة بينهم مستفيدين في ذلك من نظام الوراثة عند النوبييــــــــــــــــــ ــــــــــن.
وقد خاضت هذه المملكة حروبا طويلة وضارية مع المماليك، فبعد أن أرسل السلطان الناصر محمد بن قلاوون حملة إلي مملكة النوبة المسيحية وقام بعزل الملك النوبي ( كر نبس) وتنصيب بدلا منه أحد الأمراء النوبيين الذين تربوا في القصر السلطاني بمصر وهو ( عبد الله برشمبوا) الذي اعتنق الإسلام وأصبح أحد المماليك السلطانية، فقد طلب الملك النوبي المخلوع كر نبس من السلطان أن يجعل مكان عبد الله برشمبوا ويعتلي عرش النوبة بدنقلة ابن أخته كنز الدولة ( شجاع الدين نصرا لدين بن فخر الدين مالك) لحقه الشرعي طبقا لقوانين الوراثة في النوبة، غير أن الناصر محمد بن قلاوون لم يرد أن يقر له بهذا الحق وكان كر نبس قد أرسل بعد عزله كنز الدولة ومعه رسالة إلي السلطان يقول فيها:

( إذا كان مولانا السلطان يقصد أن يولي البلاد لمسلم فهذا مسلم وهو ابن أختي والملك ينقل إليه بعدى)ولم يجد عرض كر نبس القبول عند السلطان، بل إن السلطان قبض علي كنز الدولة ومنعه العودة إلي بلاده. كما أن الحملة التي أرسلت لتنصيب برشمبوا ملكا أرادت القبض علي الملك المخلوع وأخوه إلا انهما هربا جنوبا إلي منطقة الأبواب ( أول حدود مملكة علوة ) ولكن ملك علوة قبض عليهما وأرسلهما إلي مصر وفي القاهرة اعتنق الإسلام فكان ذلك سببا في حسن معاملة السلطان لهما غير انه لم يسمح لهما بالعودة ثانية إلي بلادهما.
وقد تتطورن الأمور سريعا ببني الكنز وأقاموا دولتهم الإسلامية في دنقلة وورثوا عرش النوبة سنة 717ه /1317م وذلك بالتفاف النوبيين حولهم وإعلان الولاء لهم.
غير أن دولة المماليك في مصر لم تعترف ببني الكنز ملوكا علي عرش النوبة مما حملهم علي إرسال الحملات تلو الأخرى وأخيرا لم يجدوا مفرا من الاعتراف ببني الكنز ملوكا علي النوبة لما كانوا يتمتعون به من حب الرعية.
إلا أن العلاقات تدهورت ثانية بين بني الكنز ودولة المماليك بسبب ما كان الأخير يجبونه من الجزية والبقط فلم تلغي من علي عاتقهم رغم كونهم مسلمين فعاودت الحملات المملوكية علي دولة بنى الكنز إلا أن الغلبة كانت لبنى الكنز وقد استطاعوا الاستيلاء علي أسوان وظلت في أيديهم حتى سنة 1397م وبهذه الغلبة استقلوا تماما من الدولة المملوكية وانقطعت الجزية والبقط باستقلالهم ويعبر عن ذلك ابن خلدون وهو مؤرخ معاصر بقوله: -
( انه منذ ذلك التاريخ أواخر القرن الثامن الهجري وأوائل التاسع انقطع إرسال ملوك النوبة الجزية والبقط إلي حكام مصر المماليك ). ويشير القلقشندى ( إلي أن مملكة النوبة في ذلك الوقت أي في عهده أصبحت مملكة إسلامية مستقلة بذاتها وانه لهذا السبب أورد مكاتبة صاحبها في جملة الملوك، كما أضيف انه زيد في مكاتبتهم بعد جملة ( عمدة الملوك والسلاطين – جملة أدام الله سعادته وبلغه في الدارين أرادته).