بقلم :أبوخالد الكنزى،

أدى استقلال مملكة النوبة إلي صراع دولة المماليك الشديد مع بنى الكنز، وقد أحانت الفرصة للسلطان المملوكي أن يستعيد أسوان ويسيطر نفوذه على بلاد النوبة عندما لجأ نصرا لدين ملك النوبة إلي القاهرة مستنجدا بالسلطان المملوكي ضد ابن عمه الثائر، فأرسل السلطان حملة لمساعدة نصر الدين ونجحت في مهمتها واستطاعت أن تعيد النفوذ المملوكي مؤقتا إلي تلك المملكة وظلت الدولة المملوكية تتمتع بالسيادة الفعلية علي أسوان ومملكة النوبة نتيجة لهذه الحملة.
وفي سنة 1413م جرت محن مدمرة ضربت إقليم صعيد مصر مما تسببت هذه الضائقة الاقتصادية في زيادة الاضطراب في مملكة النوبة الإسلامية وارتفاع يد المماليك عنها.
كما أن هذه المجاعة دفعت بأعداد كبيرة من قبائل هوارة وفزارة وجهينة إلى الهجرة جنوبا إلي مملكة النوبة الإسلامية، وكانت دولة بنى الكنز بعد إن أضعفها جحافل المماليك لم يستطع رد هذه القبائل النازحة أو التغلب عليها مما أدّى في نهاية الأمر إلي سقوطها وانتقال الحكم من يدها إلي يد هذه القبائل.
فقبيلة هواره التي هي إحدى قبائل البربر التي دخلت مصر أيام الفاطميين ونزح جماعة منها إلي صعيد مصر زحفت جنوبا سنة 1412م حتى وصلت أسوان وتحالفت بادىء مع بنى الكنز غير إنها ما لبثت بعد ذلك أن ناصبتها العداء واشتبكت مع فواتها في حامية عند أسوان انتهت بهزيمة بنى الكنز وقتل عدد كبير من رجالهم فضلا عن تخريب مدينة أسوان وقتل عدد كبير من أهلها.
وضعفت مركز بنى الكنز في جنوب البلاد بعد هذه المعركة وصاروا إتباعا لهمام أبي يوسف السعدي البربري زعيم هواره ودانوا له بالولاء.
وقد امتدت سيطرة هوارة في عهد همام علي المنطقة الممتدة من جنوب أسيوط حتى بلاد النوبة ( مملكة النوبة الإسلامية) واضطر سلاطين المماليك الاعتراف لهم بهذه السيطرة، غير أن هوارة مالبث أن ضعف نفوذها بسبب النزاع بين أمرائها وانقسامهم علي أنفسهم وهذه أدّى إلي تدخل السلطة المملوكية وقد نجحت في الاستفادة من هذا النزاع لاستعادة نفوذها علي جنوبي البلاد.
أما جهينة فقد ملكت في منطقة النوبة عدة جهات انتشرت فيها وحاول بنو الكنز أن يردوهم عن منطقة نفوذهم فلم يستطيعوا ذلك فاضطروا آخر الأمر إلي مصانعتهم ومصاهرتهم.
وأصبح لهم الحق الشرعي في حكم منطقة نفوذ بنو الكنز غير إنهم لم يحسنوا سياسة الملك، كما دبت الفرقة بينهم فأصبحوا شيعا وأحزابا وعادوا إلي ما كانوا عليه من البداوة ولم يبقي لهم أي مظهر من مظاهر الملك، لذلك فضلوا الهجرة جنوبا إلي مملكة علوة النوبية المسيحية تاركين بنى الكنز وبنو عكرمة وهوارة عند أسوان والنوبة ولهذا عاد نفوذ بنى الكنز ثانية علي منطقتهم وتقووا علي باقي القبائل الموجودة معهم، إلا أن السلطة المملوكية حاولت من جديد القضاء علي نفوذ بنى الكنز وهذا أدّى إلي دخولها معهم في معارك حامية ففي سنة 1444مفي عهد السلطان (جمقمق) أرسل إليهم حملة عسكرية كبيرة من المماليك لم يقدروا لها أن تحقق نصرا عليهم ، كما أرسل حملة ثانية نجحت بعض الشيء في مهمتها لأنها عادت بعد ثلاثة شهور برؤؤس جماعة من زعماء بنى الكنز علي الرماح وهكذا ظل بنو الكنز ملوكا علي النوبة الإسلامية إلي أن انتقل الفونج من جبال الجنوب إلي جبل موية ( السودان) بقيادة كنيرهم ( عبد الله دو نقس) وكان بجوارهم عرب جهينة تعرف بالقواسمة بقيادة زعيمهم ( عبد الله جماع) وتحالف عمارة دو نقس مع عبد الله جماع وقرروا القيام بالقضاء علي مملكة علوة النوبية المسيحية ، فاتحدا عمارة وعبد الله جماع وحشدا الجيوش وهاجموا مملكة علوة في (سويا) حاضرة المملكة قتلوهم شر قتلة وخربا عاصمتها سويا خرابا ضرب بها المثل (بخراب سويا) وأقاموا علي أنقاضها ( سلطنة الفونج الإسلامية) ما لبثت أن قامت هذه السلطنة بغزو (مملكة النوبة الشمالية ) سنة 1505م وملكوها إلي الشلال الثالث حيث دانت لهم منطقة ألمقره ( الدفار - دنقلا – الخندق – أرقوا ) بالولاء والخضوع ، وأجلوا مناطق واسعة من أهلها والذين بقوا فيها تعاملوا فيها معاملة الموالي والعبيد .
واضطر بنو الكنز التقهقر إلي المنطقة الشمالية والتي كانت تعرف بنوباتنا وهي المنطقة التي تمتد من الشلال الثالث حتى الشلال الأول جنوبي أسوان، واستطاعت هذه المنطقة أن تحتفظ بهويتها وذاتيتها فكانت تحت سلطة زعمائها المحليين من قبائل العرب المتتوبة والنوبيين وكانت مستقلة عن سلطنة الفونج السودانية جنوبا وعن مصر العثمانية شمالا.